بين رحمة الميت وكرامة الحي مساطر أقسى من الفاجعة
في اللحظات التي يُفترض أن يسود فيها التعاطف والرحمة، تجد بعض الأسر المكلومة نفسها أمام معاناة مضاعفة؛ فبدل الانشغال بوداع فقيدها وترتيبات الدفن، تُستنزف في مسارات إدارية طويلة، رغم ما يُعلن رسميًا عن تبسيط الإجراءات وتسريع الخدمات.
صحيح أن الدولة قطعت أشواطًا مهمة في إصلاح الإدارة وتحديث خدماتها، غير أن الواقع يكشف أحيانًا عن ممارسات معزولة لكنها مؤلمة، تصدر عن ذوي نيات سيئة أو سلوكيات ابتزازية، تستغل هشاشة اللحظة النفسية والاجتماعية التي تعيشها الأسر. فالتأخير غير المبرر، وطلب وثائق إضافية خارج النصوص، أو التعاطي الفظّ مع المواطنين، أو تعامل يفتقر إلى الحد الأدنى من التعاطف… كلها سلوكات تمس بكرامة الإنسان في أضعف حالاته. وتسيء إلى صورة المرفق العمومي.
ومؤخرًا، عاشت أسرة متوفى بنواحي أوكيمدن تجربة مؤلمة، بعدما اضطرت إلى الانتظار أسبوعًا كاملًا قبل تسلم جثمان فقيدها ونقله الى مدينة المحمدية. أيام من القلق والترقب، والتنقل بين الجهات المعنية، في ظرف نفسي واجتماعي بالغ الهشاشة. أسبوع لم يكن مجرد رقم في مسطرة، بل زمنًا ثقيلاً على قلوب مكلومة.
لا أحد يجادل في ضرورة احترام الإجراءات القانونية، خاصة في الحالات التي تستدعي خبرات طبية أو أبحاثًا معينة. غير أن الإشكال يبرز حين يتحول الإجراء إلى بطء غير مبرر، أو حين يغيب التنسيق بين المتدخلين، أو يُفتقد التواصل الواضح مع الأسرة. فالمساطر وُضعت لضبط الأمور وحماية الحقوق، لا لتعقيد المعاناة أو إطالة أمدها.
إن فقدان قريب ليس حدثًا إداريًا عابرًا، بل زلزال نفسي واجتماعي. وفي مثل هذه الظروف، يكون واجب كل المتدخلين—من إدارات ترابية ومصالح أمنية ومؤسسات صحية وغيرها—أن يتعاملوا بروح المسؤولية والإنسانية قبل أي اعتبار شكلي.
صحيح أن هناك مذكرات تنظيمية تؤكد على تبسيط المساطر وتسريع الخدمات ذات الطابع الاستعجالي، لكن التفعيل الصارم لهذه التوجيهات يظل أحيانًا الحلقة الأضعف. فالمشكل لا يكمن دائمًا في النصوص، بل في بعض الممارسات الفردية أو في ضعف التنسيق الميداني.
من هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى:
تسريع الإجراءات المرتبطة بحالات الوفاة، خاصة في المناطق البعيدة أو ذات الخصوصية الجغرافية.
تعزيز التنسيق بين مختلف المصالح لتفادي تضارب الاختصاصات أو تعطيل المسار.
الاكتفاء بالوثائق الضرورية المنصوص عليها قانونًا دون زيادة أو اجتهاد غير مبرر.
إصدار مذكرات داخلية تذكيرية واضحة تُشدد على المعاملة الإنسانية التفضيلية للأسر المكلومة.
ترتيب جزاءات صارمة في حال ثبوت أي تهاون أو استغلال أو ابتزاز.
فالمعاملة التفضيلية هنا ليست امتيازًا خارج القانون، بل تجسيد فعلي لروح القانون ولمبدأ خدمة المواطن، خصوصًا حين يكون في وضع هشاشة قصوى.
بين رحمة الميت وكرامة الحي، ينبغي أن تنتصر قيم التعاطف والصرامة في آن واحد: صرامة في مواجهة كل انحراف أو ابتزاز، وإنسانية في التعاطي مع أسر أنهكها الفقد. فالدولة القوية ليست فقط من تدبر الملفات الكبرى، بل من تحسن مواساة مكلوميها، وتُيسّر عليهم لحظة الوداع بدل أن تُثقلها بإجراءات تطول أكثر مما يحتمله القلب.