كتاب الرأي

الاتحاد الاشتراكي… رصيد التاريخ، شرعية النضال، ورهان المستقبل

بعيداً عن لغة المال التي تُفسد التنافس، وبعيداً عن منطق السلطة الذي يُفرغ السياسة من معناها، يبرز سؤال جوهري: من يمتلك اليوم الشرعية التاريخية، والامتداد المجتمعي، والقدرة التنظيمية، والرؤية الفكرية، ليتصدر المشهد الانتخابي ويقود أفق الإصلاح؟
حين نعود إلى المعايير الحقيقية للقيادة السياسية — الحضور الميداني، الانسجام التنظيمي، وضوح الخطاب، صدقية المواقف، والرصيد الوطني — نجد أن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية يقف شامخاً، بثقل تاريخه وحيوية حاضره وطموح مستقبله.
الاتحاد ليس حزباً موسمياً يستيقظ مع اقتراب الاستحقاقات، بل هو حزب جاب أقاليم المملكة، أكثر من 72 إقليماً، في لقاءات تأطيرية مفتوحة ومسؤولة. لقاءات لم تكن مجرد تجمعات عابرة، بل محطات للإنصات، والتقييم، وتجديد الصلة بالمواطنين. الاتحاد اختار أن يكون بين الناس، في المدن والقرى، في الفضاءات العمومية، قريباً من نبض المجتمع، لا خلف المكاتب المغلقة.
وعلى مستوى العلاقات الخارجية، يظل الاتحاد أحد أكثر الأحزاب المغربية دينامية وحضوراً. بعلاقاته التاريخية داخل الأممية الاشتراكية، وبامتداداته داخل الفضاءات الديمقراطية الدولية، ساهم في الدفاع عن صورة المغرب، وعن قضاياه الوطنية العادلة، وفي مقدمتها الوحدة الترابية. لقد ظل الاتحاد وفياً لخطه الوطني الثابت: الانفتاح على العالم، مع صلابة في الدفاع عن السيادة الوطنية.
تنظيمياً، يقدم الاتحاد نموذجاً في احترام المؤسسات والشرعية الداخلية. قطاعاته تعقد مؤتمراتها في آجالها القانونية، وأجهزته تشتغل وفق قواعد واضحة، في صورة تعكس حزباً مستقراً، متماسكاً، لا يعيش على وقع انشقاقات أو أزمات خانقة. قوة الاتحاد ليست فقط في رموزه، بل في مؤسساته التي تحترم قواعد التداول الداخلي والديمقراطية التنظيمية.
سياسياً، مارس الاتحاد معارضة مسؤولة ومتوازنة، معارضة اقتراحية لا شعبوية، ناقدة دون أن تكون هدامة، حريصة على استقرار الوطن وعلى تطوير السياسات العمومية في الآن ذاته. لم يسقط في خطاب الإثارة، ولم يركب على موجات الغضب، بل ظل وفياً لخط الإصلاح في إطار الاستقرار، واضعاً مصلحة المغرب فوق كل حساب حزبي ضيق.
الاتحاد هو الحزب الذي لا يزال ينتج خطاباً سياسياً حقيقياً، خطاباً مؤطَّراً بفكر تقدمي واضح، يطرح أسئلة العدالة الاجتماعية، المدرسة العمومية، الصحة، الحريات الفردية، المساواة، التنمية المجالية، والكرامة الإنسانية. في زمن اختلطت فيه السياسة بالشعارات الفارغة، حافظ الاتحاد على تقليد النقاش الفكري الرصين، وعلى جرأة الطرح ومسؤولية التعبير.
وفي لحظات الاحتقان الاجتماعي، حين خرج الشباب للاحتجاج والتعبير عن مطالبهم، لم يختبئ الاتحاد خلف بيانات باردة، ولم يستثمر في الغضب لأغراض انتخابية، بل نزل إلى الميدان، أطر اللقاءات، أنصت، وحاور. كان حاضراً بصفته قوة تأطير لا قوة تأجيج، إيماناً منه بأن السياسة مسؤولية قبل أن تكون منافسة.
أما شبيبته الاتحادية، فهي من أنشط التنظيمات الشبابية في المغرب، مدرسة للتكوين السياسي والفكري، ومختبر لإعداد أجيال جديدة من المناضلين. والقطاع النسائي الاتحادي ظل في طليعة المدافعين عن قضايا المساواة وحقوق النساء، وعن إصلاح مدونة الأسرة، وعن تمكين النساء سياسياً واقتصادياً. هذه الحيوية القطاعية ليست تفصيلاً تنظيمياً، بل مؤشر على حزب حيّ، متجدد، يضخ دماء جديدة في شرايينه باستمرار.
وإذا كان الحاضر مهماً، فإن تاريخ الاتحاد هو عمقه الاستراتيجي.
هو حزب المهدي بن بركة، الذي جسّد الفكر التحرري والرؤية الاستشرافية لمغرب ديمقراطي حديث.
هو حزب عبد الرحيم بوعبيد، الذي وقف بمواقف تاريخية مبدئية، وجعل من الوطنية التزاماً أخلاقياً لا شعاراً ظرفياً.
هو حزب عبد الرحمن اليوسفي، الذي قاد تجربة التناوب التوافقي، وأدار مرحلة دقيقة من تاريخ المغرب بحكمة رجل دولة قدّم مصلحة الوطن على مصلحة الحزب.
الاتحاد هو الحزب الذي دفع مناضلوه أثماناً باهظة في سنوات الجمر والرصاص دفاعاً عن الحريات وحقوق الإنسان. وهو الحزب الذي ساهم بقوة في ترسيخ ثقافة حقوقية جديدة، وفي الدفع نحو إصلاحات دستورية وسياسية عميقة، وفي تكريس الخيار الديمقراطي كأفق لا رجعة فيه.
إنه حزب المدرسة العمومية، وحزب العدالة الاجتماعية، وحزب الدولة الاجتماعية قبل أن تصبح شعاراً متداولاً. حزب جعل من الدفاع عن الطبقات الوسطى والفقيرة، وعن العمال والموظفين، وعن الفئات الهشة، جوهر مشروعه السياسي.
اليوم، في زمن التحولات الكبرى، وفي ظل تحديات اقتصادية واجتماعية متسارعة، يحتاج المغرب إلى قوة سياسية تمتلك الذاكرة والتجربة، والقدرة على التجديد، والرؤية الواضحة للإصلاح. يحتاج إلى حزب يجمع بين الوطنية الصادقة، والكفاءة التدبيرية، والعمق الفكري.
بهذا الرصيد التاريخي، وبهذه الدينامية الميدانية، وبهذه الشرعية النضالية والتنظيمية، يظل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية رقماً صعباً في المعادلة السياسية، وقادراً على استعادة موقعه الطبيعي في صدارة المشهد.
لأن السياسة ليست سباق أموال، بل سباق أفكار.
وليست استعراض نفوذ، بل تعبيراً عن إرادة شعب.
والاتحاد… حين تتوفر الإرادة الجماعية، قادر أن يفعلها.