كتاب الرأي

عدالة مأمولة

حين يتأمل المرء مسار التقاضي داخل المجتمعات الحديثة، تتوارد إلى الذهن أسئلة عميقة تتجاوز حدود الإجراءات القانونية نحو جوهر المنظومة العدلية ذاتها… إذ لم يعد الحديث منصباً على وجود القوانين أو وفرة النصوص التشريعية، وإنما على قدرة هذه المنظومة على تحقيق الإنصاف وترسيخ الثقة داخل وجدان المتقاضين… فالسؤال الذي يفرض حضوره بإلحاح اليوم يتمحور حول طبيعة الأدوار التي يؤديها الفاعلون داخل العدالة، وعلى رأسهم المحامون، وحول مدى مساهمة هذه الأدوار في تكريس التوازن بين الحقوق والواجبات… أم أنها تتحول في بعض السياقات إلى مساحات لاستثمار الثغرات الإجرائية واستنزاف الزمن القضائي…
إن مهنة المحاماة تحتل مكانة مركزية داخل البناء القضائي، إذ ارتبطت تاريخياً بفكرة الدفاع عن الحقوق وصيانة الحريات… وقد تشكلت صورتها الرمزية باعتبارها حصناً يحتمي به المظلوم، ورافعة تعزز حضور القانون داخل المجتمع… غير أن التحولات التي عرفتها الحياة القانونية خلال العقود الأخيرة أفرزت إشكالات معقدة، جعلت النقاش يتسع حول طبيعة العلاقة بين الدفاع عن الموكل وبين توظيف المساطر القانونية توظيفاً يتجاوز غايات العدالة… وهنا تتجلى مفارقة دقيقة، حيث يتحول الإلمام العميق بالقانون إلى أداة مزدوجة الأثر… أداة تعزز حماية الحقوق من جهة، وقد تصبح وسيلة لتمديد النزاعات وتعقيد مساراتها من جهة أخرى…
لقد أضحت بعض القضايا تعرف مسارات متشعبة تتداخل فيها الطعون والإجراءات الشكلية بصورة تجعل النزاع يمتد عبر سنوات طويلة… ويجد المتقاضي نفسه داخل متاهة قانونية تتراكم فيها المصاريف وتتبدد معها الثقة في نجاعة العدالة… فتغدو القوانين، رغم دقتها النظرية، عاجزة عن بلوغ أهدافها العملية… ويتحول التقاضي إلى تجربة مرهقة تستنزف الجهد والمال والوقت… وفي مثل هذه السياقات يتصاعد التساؤل حول الحاجة إلى إعادة النظر في فلسفة التقاضي ذاتها، بما يحقق التوازن بين ضمان حق الدفاع وبين حماية الزمن القضائي من الاستنزاف…
إن الحديث عن ضبط الهفوات القانونية لا يستهدف التقليل من قيمة مهنة المحاماة أو التشكيك في رسالتها النبيلة، وإنما يندرج ضمن تصور إصلاحي يطمح إلى بناء عدالة ناجعة تستند إلى مبادئ الوضوح والسرعة والإنصاف… فالمنظومة القضائية القوية تقوم على تكامل الأدوار بين القاضي والمحامي والمشرع، وكل اختلال يصيب أحد هذه المكونات ينعكس مباشرة على صورة العدالة داخل المجتمع، ومن ثم فإن التفكير في تطوير آليات الرقابة المهنية وتحديث أخلاقيات الممارسة القانونية يظل خطوة ضرورية لترسيخ الثقة العامة…
إن التجارب المقارنة داخل العديد من الدول أظهرت أن إصلاح العدالة لم يرتبط فقط بتحديث النصوص القانونية، وإنما شمل إعادة صياغة فلسفة العمل القضائي برمتها، حيث جرى التركيز على تبسيط المساطر وتقليص الإجراءات الشكلية التي تعرقل الوصول إلى الأحكام، كما تم اعتماد آليات الوساطة والتحكيم كبدائل فعالة لتسوية النزاعات خارج المسار القضائي التقليدي، وقد أثبتت هذه الآليات قدرتها على تخفيف العبء عن المحاكم وتعزيز ثقافة الحلول التوافقية التي تحقق العدالة في زمن أقصر…
ومن جهة أخرى، فإن تعزيز تكوين المحامين وتطوير برامج التأهيل المستمر يمثل ركيزة أساسية لضمان ممارسة مهنية قائمة على النزاهة والمسؤولية… فالمحامي الذي يمتلك وعياً أخلاقياً عميقاً بدوره داخل المجتمع يسهم في ترسيخ صورة العدالة كقيمة إنسانية سامية، أما حين يتحول العمل القانوني إلى مجرد ممارسة تقنية تبحث عن مكاسب ظرفية، فإن الثقة المجتمعية تبدأ في التآكل تدريجياً، وتصبح العدالة مفهوماً نظرياً يفتقد حضوره داخل الواقع…
إن بناء عدالة ناجعة يقتضي كذلك إعادة التفكير في العلاقة بين النص القانوني وروح القانون، فالقوانين مهما بلغت دقتها تظل بحاجة إلى تأويل يراعي مقاصد التشريع ويحافظ على جوهر الإنصاف، وهنا تتجلى أهمية الدور الذي يضطلع به القضاة والمحامون في توجيه المسار القضائي نحو تحقيق العدالة الحقيقية، فالقانون الذي يتحول إلى شبكة من الإجراءات المعقدة يفقد قدرته على تحقيق التوازن الاجتماعي، ويصبح عبئاً على المتقاضين بدل أن يكون وسيلة لحماية حقوقهم…
كما أن تطور المجتمع الرقمي يفرض تحديات جديدة أمام العدالة التقليدية، حيث أضحت النزاعات أكثر تعقيداً نتيجة تشابك العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية، وهو ما يستوجب تحديث المنظومة القضائية عبر إدماج التقنيات الحديثة في تدبير الملفات وتسريع إجراءات التقاضي. فالعدالة الرقمية تمثل اليوم أحد المداخل الأساسية لتقليص الزمن القضائي وتعزيز الشفافية، كما تسهم في الحد من بعض الممارسات التي تعتمد على تعقيد الإجراءات وتأخير البت في القضايا…
إن النقاش حول الحاجة إلى المحامين لا ينبغي أن يُفهم باعتباره دعوة للاستغناء عن هذه المهنة، وإنما باعتباره محاولة لإعادة تعريف دورها داخل منظومة العدالة الحديثة، فالمحامي يمثل أحد أعمدة التوازن القانوني، غير أن هذا الدور يكتسب قيمته الحقيقية حين يرتبط برسالة الدفاع عن الحق والإنصاف، وعندما تتسع المسافة بين هذه الرسالة وبين الممارسة اليومية، يصبح الإصلاح ضرورة حتمية تفرضها مصلحة المجتمع بأكمله…
ومن زاوية أوسع، فإن العدالة الناجعة تشكل أحد أهم مقومات الاستقرار الاجتماعي والتنمية الاقتصادية… فالمستثمر يبحث عن بيئة قانونية تضمن حماية حقوقه في زمن معقول… والمواطن يحتاج إلى منظومة قضائية تمنحه الشعور بالأمان القانوني، وكلما ارتفعت درجة الثقة في العدالة، تعززت روح الانتماء إلى المؤسسات وتراجعت النزاعات الاجتماعية، وهكذا تتحول العدالة إلى ركيزة لبناء مجتمع متماسك تسوده قيم الإنصاف والتكافؤ…
إن إصلاح العدالة يظل مشروعاً مجتمعياً شاملاً يتطلب تضافر جهود المشرعين والمهنيين والباحثين… كما يحتاج إلى حوار مفتوح يعيد طرح الأسئلة الجوهرية حول طبيعة العدالة التي نطمح إليها. عدالة تختصر المسافات بين النص والتطبيق، عدالة تحمي الحقوق دون أن تتحول إلى متاهة إجرائية، عدالة تجعل القانون جسراً يربط بين المواطن ومؤسسات الدولة، ويعزز شعوره بالطمأنينة القانونية…
وفي خضم هذه التحولات، يظل الأمل معقوداً على بناء منظومة قضائية تتسم بالمرونة والفعالية، منظومة تستوعب التحولات الاجتماعية وتواكب تطورات العصر، منظومة تجعل العدالة تجربة إنسانية تحقق الإنصاف وتعيد الاعتبار لقيمة القانون داخل الحياة اليومية… فالمجتمعات التي تنجح في ترسيخ عدالة ناجعة تفتح أمامها آفاق التنمية والاستقرار، وتؤسس لمستقبل تتجسد فيه سيادة القانون باعتبارها قاعدة راسخة تنظم العلاقات وتضمن الحقوق وتحقق الكرامة الإنسانية، وتلك الغاية تظل رهينة بقدرتنا على مراجعة الممارسات وتجاوز الهفوات واستشراف آفاق إصلاحية تجعل العدالة أكثر قرباً من الإنسان، وأكثر حضوراً داخل تفاصيل حياته، وأكثر قدرة على تحقيق المعنى الحقيقي للإنصاف…