ملفات خاصة

المحمدية بين ذاكرة التسيير ورهان المستقبل: حين تستحضر المدينة روح التجربة الاتحادية

يقف إقليم المحمدية اليوم عند مفترق طرق حاسم، فإما أن يظل أسير اختلالات تراكمت عبر سنوات من التدبير المتردد، أو أن ينخرط في مسار جديد يؤسس لتنمية متوازنة تعيد الاعتبار للإنسان والمجال معا، وتمنح المدينة المكانة التي تستحقها داخل جهة الدار البيضاء- سطات. لقد عرفت المحمدية تحولات عميقة بحكم موقعها الاستراتيجي كمدينة صناعية وساحلية، غير أن وتيرة التنمية لم تكن دائما في مستوى انتظارات الساكنة، فبين ضغط التوسع العمراني، وتحديات البنية التحتية، وإشكالات التشغيل والخدمات، ظل سؤال الحكامة الجيدة حاضرا بقوة في النقاش العمومي المحلي.
في هذا السياق، تستحضر الذاكرة الجماعية للمدينة مرحلة التسيير الاتحادي باعتبارها تجربة متميزة في تاريخ تدبير الشأن المحلي، فقد ارتبطت تلك المرحلة بكفاءات معترف بها، بصمت المشهد المحلي بحضورها المهني والسياسي، وجمعت بين الخبرة التقنية والالتزام السياسي الواضح. لم يكن التدبير قائما على الارتجال، بل على تصور متكامل، وعلى فريق من الأطر والمنتخبين الذين امتلكوا رؤية واضحة لمعالم التنمية المحلية. ومن أبرز ما ميّز تلك التجربة شجاعة القرار، فقد اتُّخذت خلال تلك المرحلة قرارات مفصلية، لم تكن دائمًا سهلة أو شعبوية، لكنها كانت مبنية على تقدير للمصلحة العامة وعلى استعداد لتحمل المسؤولية السياسية كاملة. كانت هناك جرأة في معالجة الملفات الكبرى، وإرادة في القطع مع بعض مظاهر العشوائية، وتوجه نحو إرساء قواعد صلبة للتخطيط الحضري والخدمات الجماعية.
ولعل ما يمنح تلك التجربة خصوصيتها أن معالمها لا تزال حاضرة إلى اليوم في المشهد الحضري للمدينة، فعدد من المشاريع والبنيات التي أُنجزت خلال تلك المرحلة ما زالت تؤدي وظائفها، وتشكل جزءا من الذاكرة المادية والرمزية للمحمدية. لقد تركت التجربة أثرا ملموسا، ليس فقط في الوثائق والبرامج، بل في الفضاء العام ذاته، كما تميزت المقاربة الاتحادية بإعطاء الأولوية للبعد الاجتماعي، من خلال دعم المبادرات الثقافية والرياضية، والاهتمام بالشباب، والانفتاح على المجتمع المدني. كانت الجماعة فضاء للنقاش والتفاعل، لا مجرد إدارة لتصريف الشؤون اليومية، وتم ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز ثقافة العمل المؤسساتي بدل الشخصنة.
ورغم تعاقب هيئات سياسية متعددة على تدبير المدينة، ظلت تلك المرحلة حاضرة في أذهان الساكنة، ليس بدافع الحنين فقط، بل لأنها شكلت معيارا يُقاس عليه الأداء، فالمواطن يقارن دائما بين الوعود والنتائج، بين الخطاب والأثر، وبين التدبير الظرفي والرؤية بعيدة المدى. غير أن استحضار التجربة الاتحادية اليوم لا يعني استنساخ الماضي، بل استلهام روحه: روح الكفاءة، وشجاعة القرار، ووضوح الرؤية، وتغليب المصلحة العامة على الحسابات الضيقة، فالمدينة تحتاج إلى نفس إصلاحي جديد، يستثمر دروس التجارب السابقة، ويستجيب لتحولات الحاضر وتعقيداته.
إن المحمدية قادرة على أن تكون نموذجا لتنمية حضرية متوازنة، إذا ما توفرت الإرادة السياسية الصادقة، والتنسيق المؤسسي الفعال، والتخطيط الاستراتيجي طويل النفس. والسؤال الجوهري اليوم ليس من يتولى المسؤولية، بل أي نموذج للتسيير نريد؟ الاختيار، في النهاية، رهين بوضوح الرؤية، وجرأة القرار، وصدق الالتزام تجاه تطلعات الساكنة. والمحمدية، التي احتفظت في ذاكرتها الجماعية بتجربة وازنة في التسيير قادتها كفاءات مشهود لها، قادرة مرة أخرى على أن تكتب فصلا جديدا عنوانه: حكامة مسؤولة، وتنمية عادلة، ومدينة في مستوى طموح أبنائها.