ثقافية

وتلك الأيام تُداولنا بين نصّين سرديين: «الأيام: لطه حسين» و»الحي المحمدي وجوه وأمكنة «لحسن نرايس

عتبة مدخل: حين تتحوّل الذاكرة إلى مشروع كتابة
لم يتم استدعاء الذاكرة كفعل حنين بريء، بل كآلية قراءة وتأويل قد يكون مشروعًا ثقافيًا يُعيد ترتيب العلاقة بين الفرد والمكان، بين الماضي والحاضر. من هذا المنظور، تلتقي سيرة الأيام لـ طه حسين مع كتاب الحي المحمدي: وجوه وأمكنة لحسن نرايس، حيث استدعينا السردين في قراءة مقابلة ومقارنة رغم اختلاف السياقين والزمنين والرهانات لنصين نجد أنفسنا أمام سرديهما اللذين يتداولان «الأيام» بمعنيين مختلفين:
ـ الأول: يكتب تشكّل الذات المفكّرة؛ سيرة ذاتية فكرية
ـ الثاني: يكتب تشكّل الذاكرة الجماعية من داخل حيّ شعبي صار مختبرًا للثقافة المغربية الحديثة؛ سيرة ذاتية غيرية.

عتبة الكتابة: من المقدّمة إلى بيان الذاكرة
اختار حسن نرايس أن يفتتح كتابه بـ»مقدمة لا بدّ منها»، لا بوصفها إجراءً شكليًا، بل باعتبارها تصريح نوايا؛ إذ يعترف منذ الصفحات الأولى باستحالة الإحاطة بكل الوجوه والأسماء التي صنعت تاريخ الحي المحمدي، ويعتبر هذا الأمر فضيلة سردية: الكتاب ليس أرشيفًا مغلقًا، بل دعوة مفتوحة للكتابة.
هنا لا يقدّم نرايس كتابًا عاديا، بل بيانا شعبيا وخطابًا ثقافيًا موجّهًا إلى القارئ، يُشركه ضمنيًا في السرد: فالأمكنة المذكورة تمثّل كل الأمكنة، والوجوه المستحضرة هي وجوهنا جميعًا. ومن لم يجد اسمه، وجد أثره.

«الأيام»: سيرة الفرد
بوصفها سيرة فكر
صدرت» الأيام « في ثلاثة أجزاء (1927، 1955، 1972)، وتُعدّ أول سيرة ذاتية أدبية حديثة في الثقافة العربية. لم تكن سيرة اعتراف بقدر ما كانت مشروعًا تحرّريًا، أعاد من خلاله طه حسين بناء طفولته وتجربته التعليمية ليحوّل الألم إلى معرفة، والحرمان إلى وعي نقدي.
الوجوه في» الأيام «لا تُرى بالعين، بل بالعقل:
الأب والأم: سلطة تربوية مركّبة بين الحنان والصرامة
الشيخ: صورة التعليم التقليدي وحدوده
الرفاق: الجماعة التي تُعرّف الذات عبر المقارنة والانتماء
الانفتاح على العالم الفكري في سعته في عاصمة الأنوار بار يس (السوربون، ومونبوليي)
أما الأمكنة: القرية، الكُتّاب، الأزهر، فهي فضاءات عبور، تُعرّف بالمرحلة الفكرية لا بذاتها.

«وجوه وأمكنة»
حس نرايس
نكتشف عند حسن نرايس، «الحي المحمدي» بطلًا سرديًا، يقف في وجه الزمن وينتصر للوجوه، وضعت كاميرا حسن نرايس بالزنقة 10 وبدأ السرد بعين الطفل نرايس الذي كانه، «تلك الزنقة التي تضم من ثلاث إلى خمس وخمسين بناية قالوا عنها منازل، وزقاق يحمل هموم أمة برمتها (التطواني، الصحراوي، المكناسي، المراكشي، وهلم جغرافيا طولا وعرضا)» وتنتقل كاميرا حسن إلى المسيد الذي صوره/يصفه «هناك نجتمع كالسردين داخل حانوت ضيق يحمل رقم 18 قالوا عنه إنه المسيد» وفي مشهد واصف سينمائي بامتياز يقول عن أهم لقطاته «حينما يدخل الفقيه نقف وقفة طفل واحد إجلالا» .ومع تتابع السرد يتسع البلاطو وتنتقل الكاميرا التي تغير إنارتها وعدساتها وزوايا الالتقاط، وبذلك مسح حسن حفريات ومرجعيات ولقطات الزنقة 10 داخليا وخارجيا، بالتركيز على أبطال الأمكنة من المسيد إلى مدرسة درب مولاي الشريف التي أصبح اسمها مدرسة ابن بسام، وتغير كاميرا حسن تموقعاتها وعدساتها وإنارتها ولغاتها باستمرار وصولا إلى مرحلة الفتوة والشباب الأول في إعدادية المستقبل، في أعلى الحي بشارع الحزام الكبير، وتغيير المكان والوجهة إلى شارع عقبة بن نافع في ثانوية عقبة بن نافع، في فضاءات السرد/ التصوير نتعرف على عوالم ووجوه وأمكنة حسن نرايس؛ لذا الحي المحمدي استدعاء نوستالوجي، احتفائيا وتشخيصيا، بلغة تقطيع مشهدي عابر للأزمنة بمفهومها التاريخاني سرد جاء بضمير المتكلم لأن حسن نرايس سارد مشارك من داخل النص وجوها وأمكنة.
الأب والأم: من الأخصاص، أصول أمازيغية، التقيا في خلية مختصرة للمغرب في الحي المحمدي وبالضبط في درب مولاي الشريف، وفي الزنقة 10 تحديدا (اجتمع الأمازيغي مع العروبي والشمالي، والصحراوي وغيره)
مع لفقيه سي السعيد: صورة التعليم التقليدي في المسيد وعاداته وتقاليده وزحمته وأصوله..
الرفاق: من زنقة 10 بدرب مولاي الشريف إلى رفاق المسيد، تم مدرسة درب مولاي الشريف، حيث الانفتاح الأول الذي تطور والتعرف على عوالم أخرى بأمكنتها المتعددة ووجوهها التي رسمت حسن نرايس، وصولا إلى رفاق التعليم الإعدادي، ثم ثانوية عقبة، ثم رفاق تيران الطاس وهلم تسكع ووجوه وأمكنة، وصولا إل باريس السوربون تحديديا وألف ليلة وليلة بقراءة تنتصر للسرد الذي لم يقتل في الحكاية مع درس عبد الفتاح كيليطو، وسعة الاطلاع على الأدب المغربي والعربي والعالمي..
في عاصمة الأنوار بار يس (السوربون) كان الانفتاح على الذات بمنظور آخر كما الانفتاح على العالم الفكري في سعته الأخرى.
المكان الذي كتبه وكتب به حسن نرايس ليس خلفية، بل بطلا مركزيا (الحي المحمدي فضاء تشكّل من الهجرة الداخلية، ومن تداخل القروي بالحضري، ومن مجايلات صنعت ثقافتها من الهامش. دار الشباب، قاعات السينما «شريف وسعادة»، الأزقة، المدارس، المقاهي، ملاعب كرة القدم، كل هذه العناصر كانت فاعلة في بناء الذاكرة، لا مجرد ديكور يؤثث) من تم جاء السرد عند حسن نرايس الفسيفسائي، غير خطّي والهجين والذي يعتمد على: التقطيع المشهدي، الفلاش باك، الاسترجاع..كأن الذاكرة نفسها هي التي تمسك بالقلم وتقوم بمهمة المساءلة والحماية من خلال سيناريو محبوك جيدا..
تختلف وظيفة الذاكرة في النصّين:
عند طه حسين مع سرد بضمير «الأنا»: الذاكرة مختبر نقدي، تُخضع الماضي للعقل، وتفكك البنى التقليدية للتعليم والسلطة والعادات والتقاليد بحس نقدي.
عند حسن نرايس مع سرد بضمير «النحن»: الذاكرة فعل مقاومة، ضد النسيان والتبديد. لا تمارس نقدًا إيديولوجيًا مباشرًا، بل توثّق، تُسمّي، تُعيد الاعتبار، وتحرض بوضوح معرفي وتكشف المسكوت عنه بحس احتفائي.
هنا تكمن قيمة المقابلة بين النصّين:
الأيام تؤسّس «الأنا» المفكّرة، بوصفها نموذجًا تحرّريًا.
الحي المحمدي: وجوه وأمكنة يحفظ «النحن» الجماعية، المهدّدة بالنسيان في زمن التسليع والتبضيع والتمييع.
السرد الأول، يسائل الماضي ليغيّره؛ لكن السرد الثاني لنرايس يستحضر الماضي ليحميه؛ لذا فالكتابة في السردين معا ضد النسيان، كلٌّ بأدوات زمنه وأسئلته، وتلك الأيام تداولنا بين السردين.

*إشارة: قمت هذه القراءة بمناسبة تقديم الكتاب الجمعة 13 فبراير 2026، في لقاء تواصلي ثقافي بمدرسة بلابل السلام بالحي المحمدي، من تنظيم مؤسسة العيدي زيداني للثقافة والإبداع