المتقاعدون في المغرب بين تآكل القدرة الشرائية وغياب العدالة الاجتماعية
أي سياسة عمومية لضمان شيخوخة كريمة لمن خدموا الوطن؟
كتلة اجتماعية كبيرة في مجتمع يتجه نحو الشيخوخة
لم يعد ملف المتقاعدين في المغرب قضية اجتماعية هامشية، بل أصبح أحد المؤشرات الأساسية على مدى قدرة الدولة على تحقيق العدالة الاجتماعية بين الأجيال. فهذه الفئة التي أفنت سنوات طويلة في خدمة الإدارة العمومية والاقتصاد الوطني والمؤسسات العسكرية والقطاع الخاص، تجد نفسها اليوم أمام واقع معيشي متزايد الصعوبة، يتسم بتجمّد المعاشات وارتفاع تكاليف الحياة وتراجع القدرة الشرائية.
وتؤكد المعطيات الوطنية أن عدد المستفيدين من أنظمة التقاعد المختلفة يتراوح بين 1.3 و1.4 مليون متقاعد، في حين يفوق عدد المنخرطين النشطين 4.5 ملايين شخص، وتبلغ الكتلة السنوية للمعاشات المؤداة ما بين 65 و70 مليار درهم. وهذه الأرقام تعكس الوزن الاجتماعي الكبير لهذه الفئة، ليس فقط من حيث عددها، بل أيضًا من حيث الدور الذي تلعبه معاشاتها في إعالة أسر واسعة تعتمد جزئيًا أو كليًا على دخل المتقاعد.
كما تشير توقعات المندوبية السامية للتخطيط إلى أن نسبة المغاربة فوق 60 سنة مرشحة للارتفاع من حوالي 12% حاليًا إلى نحو 23% في أفق سنة 2050، وهو ما يعني أن المغرب يسير تدريجيًا نحو مجتمع أكثر شيخوخة. وهذا التحول الديموغرافي يجعل من الضروري التعامل مع ملف التقاعد باعتباره ركيزة من ركائز الاستقرار الاجتماعي، لا مجرد ملف مالي يخضع للحسابات المحاسباتية الضيقة.
تزايد عدد المتقاعدين
واختلالات الأنظمة
تعرف منظومة التقاعد في المغرب تعددية مؤسساتية، تضم أساسًا الصندوق المغربي للتقاعد، والنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، إلى جانب بعض الأنظمة الخاصة. ويبلغ عدد متقاعدي الصندوق المغربي للتقاعد وحده ما يقارب 900 ألف متقاعد، بينما يتجاوز عدد المستفيدين من معاشات الشيخوخة في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي 700 ألف مستفيد، إضافة إلى عشرات الآلاف من متقاعدي الأنظمة الأخرى.
غير أن هذه التعددية لا تعكس فقط تنوعًا في البنيات، بل تكشف أيضًا تفاوتات عميقة في شروط الاستفادة ومستوى المعاشات، حيث تواجه بعض الصناديق ضغوطًا مالية متزايدة نتيجة اختلال التوازن بين عدد المساهمين وعدد المتقاعدين، في حين يبقى الإشكال الأكبر مرتبطًا بغياب العدالة الاجتماعية بين المتقاعدين أنفسهم. فبعضهم يحصل على معاشات مريحة، بينما يعيش آخرون بمعاشات محدودة لا تتجاوز أحيانًا 1500 إلى 2500 درهم شهريًا، وهو مستوى لا يسمح بتغطية الحاجيات الأساسية في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.
تفاوتات صارخة بين المتقاعدين
تختلف أوضاع المتقاعدين في المغرب بشكل كبير حسب مساراتهم المهنية وأنظمتهم التقاعدية. فمتقاعدو الوظيفة العمومية يتمتعون عمومًا بمعاشات أعلى نسبيًا من متقاعدي القطاع الخاص، بينما تبقى فئات واسعة من متقاعدي القطاع الخاص أو الفلاحين أو ذوي المسارات المهنية غير المستقرة أكثر عرضة للهشاشة الاقتصادية.
وتشير تقديرات متداولة في الدراسات الاجتماعية إلى أن ما يقارب 40% من المتقاعدين يتقاضون معاشات تقل عن الحد الأدنى للأجر، وهو ما يجعلهم في وضعية مالية صعبة، خاصة مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية. كما أن الشيخوخة بطبيعتها ترتبط بارتفاع النفقات الصحية، حيث يزداد إنفاق كبار السن على العلاج والأدوية بشكل ملحوظ، ما يضاعف الضغط على معاشاتهم المحدودة ويجعل الكثير منهم في وضعية قريبة من الهشاشة الاجتماعية.
القدرة الشرائية للمتقاعدين: الضحية الصامتة للسياسات الحكومية
عرفت السنوات الأخيرة موجات تضخم ملحوظة مست أسعار المواد الغذائية والطاقة والنقل والخدمات الصحية، حيث سجلت نسب التضخم في بعض الفترات مستويات قاربت 6% إلى 7%. وفي المقابل، لم تعرف معاشات المتقاعدين مراجعات منتظمة تواكب هذه التحولات، ما أدى إلى تآكل واضح في قدرتهم الشرائية.
وقد أصبح جزء مهم من المتقاعدين يجد صعوبة في تغطية نفقات العلاج والسكن والمعيشة اليومية، خصوصًا في ظل غياب آلية قانونية واضحة لربط المعاشات بمؤشر الأسعار. هذا الوضع جعل المتقاعدين يتحملون وحدهم كلفة التحولات الاقتصادية، وهو ما يعمّق الشعور بأن السياسات الحكومية لم تتفاعل بالقدر الكافي مع مطالب هذه الفئة التي تشكل نسبة مهمة من المجتمع وتعكس استقرارَه الاجتماعي.
المتقاعدون العسكريون: اعتراف محدود بتضحيات جسيمة
تحظى فئة المتقاعدين العسكريين والأمنيين بمكانة خاصة في الوعي الوطني، بالنظر إلى طبيعة المهام التي اضطلعوا بها والتضحيات التي قدموها في خدمة الوطن وحماية استقراره. غير أن عدداً من هذه الفئة يواجه بدوره صعوبات معيشية، خاصة أصحاب المعاشات الدنيا أو الذين أحيلوا على التقاعد في رتب محدودة.
ورغم وجود بعض الامتيازات الاجتماعية، فإن الحاجة تبقى قائمة لتطوير برامج دعم إضافية، خاصة في مجالات الرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية والسكن، بما يضمن ترجمة الاعتراف الرمزي إلى سياسات ملموسة تحفظ الكرامة وتكرّس الإنصاف لهذه الفئة التي قدمت خدمات جليلة للوطن.
حزب الاتحاد الاشتراكي: الدفاع عن الكرامة الاجتماعية للمتقاعدين
يعتبر حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أن ملف المتقاعدين يشكل اختبارًا حقيقيًا لمدى التزام الدولة ببناء دولة اجتماعية عادلة. وقد أولى الحزب هذا الملف مكانة بارزة في برامجه الاجتماعية وفي مذكراته المرفوعة إلى الحكومة، حيث أكد على ضرورة جعل كرامة المتقاعد في صلب السياسات العمومية، عبر مراجعة المعاشات الدنيا وربطها بمستوى الأسعار وتوسيع الحماية الصحية والاجتماعية لفائدة كبار السن.
كما حرص الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية داخل البرلمان على إثارة هذا الموضوع في عدة مناسبات من خلال الأسئلة الكتابية والشفوية ومناقشة السياسات الحكومية، مؤكدًا أن تجمّد المعاشات وتدهور القدرة الشرائية للمتقاعدين يتعارضان مع روح الدولة الاجتماعية التي نص عليها الدستور ومع التوجهات الكبرى للنموذج التنموي الجديد.
وفي هذا الإطار، خصّ الأخ الكاتب الأول الأستاذ إدريس لشكر هذا الملف بحضور واضح في عدد من مداخلاته السياسية والحزبية، حيث شدّد على أن إصلاح التقاعد لا يجب أن يكون مجرد عملية مالية لإنقاذ الصناديق، بل ينبغي أن يكون إصلاحًا اجتماعيًا يضمن العيش الكريم للمتقاعدين، ويعترف بما قدموه من خدمات وتضحيات في مساراتهم المهنية. كما دعا إلى بلورة تعاقد اجتماعي جديد يقوم على التضامن بين الأجيال وعلى توزيع عادل لثمار النمو، بما يحمي الفئات ذات الدخل الثابت وفي مقدمتها المتقاعدون.
وانطلاقًا من هذا التصور، يدعو حزب الاتحاد الاشتراكي إلى اعتماد مقاربة إصلاحية متوازنة تقوم على تحسين المعاشات الدنيا بشكل فوري، وإقرار آلية قانونية لربط المعاشات بالتضخم، وتوحيد المنظومة تدريجيًا على أسس عادلة تضمن الاستدامة المالية دون المساس بالحقوق المكتسبة، مع تطوير برامج اجتماعية وصحية خاصة بكبار السن.
نحو سياسة وطنية
للشيخوخة الكريمة
إن ضمان حياة كريمة للمتقاعدين ليس مسألة إحسان اجتماعي، بل هو واجب أخلاقي وسياسي يعكس مستوى تطور المجتمع. فالمتقاعدون ليسوا عبئًا على الدولة، بل هم ذاكرة الوطن ورأسماله البشري الذي ساهم في بناء مؤسساته واقتصاده. ومن ثم فإن المطلوب اليوم هو الانتقال من تدبير ملف التقاعد بمنطق مالي ضيق إلى بلورة سياسة وطنية شاملة للشيخوخة الكريمة، تضمن الحماية الاجتماعية والدعم الصحي وتحافظ على القدرة الشرائية لهذه الفئة.
إن الوفاء لمن خدموا الوطن يمرّ عبر ضمان أمنهم الاجتماعي في شيخوختهم، لأن المجتمع الذي يكرّم متقاعديه هو مجتمع يعزز الثقة في المستقبل ويؤسس لتضامن حقيقي بين الأجيال، ويجعل من العدالة الاجتماعية ركيزة حقيقية للاستقرار والتنمية.