الاتحاد الاشتراكي وأفق الريادة السياسية من إعادة البناء إلى العمل من أجل تصدر الاستحقاقات المقبلة
يشهد المغرب تحولات سياسية واجتماعية عميقة، تتسم بارتفاع منسوب الانتظارات الشعبية، وتراجع الثقة في الخطاب السياسي التقليدي، وتعقّد التحديات الاقتصادية. في هذا السياق، لا يكفي الحضور الرمزي أو التاريخي، كما لا يكفي إعطاء وعود غير قابلة للتحقيق، بل يصبح الرهان هو القدرة على تقديم مشروع واضح، وتنظيم فعّال، وبديل واقعي. الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية يضع نفسه في هذا الأفق، باعتباره قوة تسعى إلى تحويل إعادة البناء الداخلي إلى ريادة سياسية وانتخابية. وسنسعى إلى ملامسة ذلك عبر عشرة محاور استراتيجية مترابطة:
1. مشروع مجتمعي واضح ومؤطر بالأولويات
يرتكز مشروع الحزب على رؤية اجتماعية ديمقراطية متكاملة، تجعل من التعليم العمومي رافعة أساسية للعدالة الاجتماعية، ومن إصلاح المنظومة الصحية مدخلًا للكرامة الإنسانية. لا يكتفي الحزب برفع شعارات عامة، بل يربط كل أولوية بآليات تمويل وتنفيذ واضحة. العدالة المجالية ليست مفهومًا نظريًا أو شعارا يتم ترويجه في خطاباته، بل سياسة تهدف إلى تقليص الفوارق بين الجهات. كما يربط بين النمو الاقتصادي وإعادة توزيع ثماره بشكل منصف. هذا الترابط يمنح مشروع الحزب قوة ومصداقية في أعين الناخبين الباحثين عن وضوح لا عن وعود عابرة.
2. مصداقية المعارضة الذي مارسها الحزب وتحويل مقترحاتها إلى بديل
مارس الحزب معارضة مؤسساتية مسؤولة، ترتكز على تحليل السياسات العمومية واقتراح تعديلات ملموسة. لم ينخرط في خطاب شعبوي أو تصعيدي، بل حافظ على توازن بين النقد والاقتراح. هذا الأسلوب يعكس نضجًا سياسيًا واستعدادًا لتحمل المسؤولية. حين يقدم الحزب مذكرات تفصيلية ومقترحات قوانين، فإنه يؤكد أنه يشتغل بعقلية تدبير لا بعقلية احتجاج فقط. هذه المصداقية تعزز ثقة الناخبين الذين يبحثون عن بديل جاد وقادر على الإنجاز.
3. إعادة البناء التنظيمي العميق
شهد الحزب دينامية تنظيمية واسعة عبر مؤتمرات إقليمية وجهوية أعادت الحيوية للفروع. هذا البناء القاعدي يعزز التواصل المباشر مع المواطنين ويجعل الحزب حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية. التنظيم القوي يعني أيضًا قدرة على التعبئة الميدانية الفعالة أثناء الحملات الانتخابية. كما يتيح استيعاب طاقات جديدة ضمن إطار مؤسساتي منظم. كل ذلك يخلق شبكة دعم انتخابي متماسكة، ويحول الحزب من حضور موسمي إلى فاعل دائم في المجتمع.
4. تجديد النخب وتمكين الطاقات الصاعدة
انفتاح الحزب على الشباب والنساء والكفاءات المهنية يعكس وعيًا بضرورة تجديد الدماء داخل هياكله. هذا التمكين يمنح الأجيال الصاعدة دورًا حقيقيًا في صناعة القرار. كما يساهم في تطوير الخطاب السياسي ليكون أكثر قربًا من قضايا العصر. إشراك الكفاءات المهنية يعزز البعد التقني والعملي في البرامج. هذا التوازن بين الخبرة والتجديد يمنح الحزب قدرة أكبر على مخاطبة فئات واسعة من الناخبين.
5. الامتداد الاجتماعي وإعادة ربط الجسور
ارتباط الحزب بالنقابات والفضاءات المهنية يمنحه عمقًا اجتماعيًا حقيقيًا. إعادة تفعيل هذه الروابط تعزز دوره كوسيط بين الدولة والمجتمع. كما تسمح له بالتفاعل المباشر مع مطالب الفئات المختلفة. الحزب الذي يصغي إلى الشارع يمتلك قدرة أكبر على بلورة سياسات واقعية. هذا الامتداد يرسخ قاعدة انتخابية مستقرة، ويجعل حضوره غير مرتبط فقط بالمواسم الانتخابية.
6. الخبرة المؤسساتية والكفاءة التدبيرية
تجربة الحزب في البرلمان والجماعات الترابية تشكل رأسمالًا مهمًا. هذه الخبرة تمنحه قدرة على فهم تعقيدات التشريع وإعداد الميزانيات. كما تمكنه من تقديم بدائل قابلة للتنفيذ لا مجرد تصورات نظرية. الناخب يميل إلى اختيار من يمتلك تجربة عملية في إدارة الشأن العام. في زمن الأزمات، تصبح الكفاءة عنصرًا حاسمًا في الاختيار الانتخابي.
7. تصور واقعي للبدائل الممكنة للوضع الاقتصادي المتأزم
في ظل التضخم وارتفاع كلفة المعيشة، يقدم الحزب تصورًا اقتصاديًا يوازن بين النمو والعدالة الاجتماعية. يدافع عن عدالة جبائية تضمن مساهمة منصفة في تحمل الأعباء. كما يدعم المقاولات الصغرى والمتوسطة باعتبارها محركًا للتشغيل. يربط بين الاستثمار العمومي وخلق فرص الشغل المستدامة. هذا الخطاب الواقعي يمنحه مصداقية لدى الطبقة الوسطى والفئات المتضررة من الضغوط الاقتصادية.
8. تحالفات استراتيجية قائمة على البرامج
القدرة على بناء تحالفات قائمة على توافقات برنامجية تمنح الحزب موقعًا تفاوضيًا قويًا. لا يقوم تموقعه على المصالح الظرفية بل على رؤية إصلاحية مشتركة. هذا النهج يعزز استقرار أي تجربة حكومية محتملة. كما يوسع قاعدة الدعم البرلماني للحزب. في نظام سياسي يعتمد على التحالفات، يصبح هذا البعد عنصرًا حاسمًا في تحقيق الريادة.
9. تحديث أدوات التواصل والانفتاح الرقمي
طور الحزب حضوره الرقمي لمواكبة التحولات في سلوك الناخبين. التواصل المباشر عبر الوسائط الحديثة يعزز الشفافية ويقرب الخطاب من الشباب. كما يتيح سرعة التفاعل مع الأحداث وتوضيح المواقف. هذا الانفتاح يعيد الحيوية للنقاش العمومي. التواصل الفعال يتحول إلى أداة تعبئة انتخابية مهمة.
10. الأخلاق السياسية واستعادة الثقة
في زمن اختلاط المصالح، يصبح البعد القيمي محددًا أساسيًا، فترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة يعزز مصداقية الحزب، واحترام الديمقراطية الداخلية يعكس نضجًا تنظيميًا، كما أن الدفاع عن السياسة كخدمة عامة يعيد الاعتبار للفعل الحزبي. وبالتالي، فإن الناخب الذي يبحث عن النزاهة يجد في هذا الالتزام عنصرًا حاسمًا في اختياره.
بهذه المحاور العشرة، يتضح أن تصدر الانتخابات التشريعية المقبلة ليس احتمالًا نظريًا، بل نتيجة منطقية لتراكم سياسي وتنظيمي واضح. فالمعادلة تقوم على مشروع مقنع، وتنظيم متماسك، وثقة مجتمعية متنامية. والاتحاد الاشتراكي، وهو يعمّق حضوره ويطور أدواته، يقترب من لحظة قيادة سياسية جديدة عنوانها العدالة الاجتماعية والنجاعة والمسؤولية الوطنية.