كتاب الاتحاد

لماذا انزعجوا من مجرد الحديث عن تصدر الاتحاد؟

ليس مستغربًا أن يثير صعود الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية قلق خصومه كلما ظهرت مؤشرات تؤكد أنه يستعيد موقعه الطبيعي داخل المشهد السياسي. فالاتحاديات والاتحاديون خبروا هذا النوع من الحملات منذ عقود، وتشرّبوا معنى الصمود في وجه الاستهداف، خاصة منذ اغتيال الشهيد عمر بن جلون، وهي محطة رسّخت لديهم وعيًا عميقًا بطبيعة الصراع السياسي وتقلباته.
لقد أبان الحزب في المرحلة الأخيرة عن درجة لافتة من الاستقرار التنظيمي والانسجام بين القيادة والقواعد، وهو ما جعله يتجاوز مرحلة التشتت والصراعات الداخلية التي راهن عليها خصومه طويلًا. وحين اتضح أن الحزب استعاد تماسكه، تصاعدت أصوات التشويش، وتكاثرت المغالطات، في مشهد يعكس أكثر مما يخفي حجم الانزعاج من عودته المتدرجة إلى موقع التأثير.
فالسياسة، حين تنحدر إلى مستوى تصفية الأحقاد واستدعاء رواسب الماضي، تفقد معناها النبيل وتتحول إلى مجرد ساحة صخب. ومن يلوذ بهذا الأسلوب إنما يعلن، من حيث لا يدري، فقدانه البوصلة وعجزه عن مجاراة الفعل السياسي الرصين. ولا يزال بعضهم أسير “شمتة” ترؤس الحكومة للمرة الثانية، دون أن يقدم على أداء الكفارة عن قسمه المغلّظ الرافض لمشاركة الاتحاد في الحكومة—والكفارة، كما هو معلوم، إجراء ديني يلتزم به من حلف ثم خالف، وتكون بالصيام أو بإطعام المساكين—وذلك لأنه يدرك أن حضور أطر الاتحاد وكفاءاته سيجعلها أكثر بروزًا وتميزًا في الأداء والنتائج.
وفي هذا الإطار، يكتسب تصريح إدريس لشكر، الكاتب الأول للحزب، خلال المجلس الجهوي المنعقد بـالدار البيضاء، بأن الحزب جاهز لقيادة الحكومة، دلالة سياسية واضحة؛ إذ يعكس ثقة تنظيمية مبنية على معطيات واقعية. فالطموح إلى قيادة الجهاز التنفيذي حق مشروع لكل حزب يشارك في الاستحقاقات، خصوصًا في ظل ما تعيشه بعض مكونات الأغلبية من ارتباك وتراجع، مقابل جاهزية تنظيمية وكفاءة بشرية يراهن عليهما الحزب.
ولماذا انزعج البعض من هذا التصريح؟ لأن ردود أفعالهم جاءت مشوبة بسخرية تكشف جهلًا بالتحولات التي شهدتها الساحة السياسية، وهي تحولات شبيهة بتلك التي رافقت ما سُمّي بالربيع العربي، والتي فتحت المجال لتحقيق طموحات كان أصحابها يعدّونها يومًا مجرد حلم، ومع ذلك لا يزال بعضهم يتحسّر على ما يعتبره ضياع فرصة رئاسة الحكومة بسبب الاتحاد.
ويعزّز هذه الجاهزية حضور الحزب داخل مختلف الهيئات والتنظيمات المهنية والعلمية، من أوساط المهندسين إلى فضاءات التعليم العالي ومؤسسات الحكامة، بما يجعله حزب أطر بامتياز، يمتلك رصيدًا بشريًا قادرًا على الإسهام الفعلي في بلورة السياسات العمومية وتدبير الشأن العام بكفاءة ومسؤولية. وهذا الامتداد النوعي يمنحه شرعية واقعية للتطلع إلى موقع الصدارة، ليس كشعار دعائي، بل كاستحقاق تؤطره الكفاءة ويعضده الحضور.
ومع ذلك، يدرك الحزب أن تصدر المشهد السياسي يظل رهينًا بضمان تكافؤ الفرص وتحصين العملية الانتخابية من كل أشكال التجاوز أو التدخل، إيمانًا منه بأن مغرب ما بعد 31 أكتوبر يحتاج إلى صورة سياسية جديدة، عنوانها المصداقية وترسيخ دولة المؤسسات. وقد بدأت بالفعل تلوح إشارات متعددة توحي بإمكانية ترسيخ هذا المسار.
وفي سياق هذه المرحلة، يبرز أن المغرب، بعد خروجه من “عنق الزجاجة” على حد وصف الكاتب الأول، بات في حاجة ماسّة إلى أحزاب وطنية تمتلك امتدادات داخل المنظمات الأممية، وتتوفر على رصيد معتبر من التجربة والخبرة السياسية يؤهلها لتدبير الشأن العام بكفاءة ومسؤولية. ويأتي الاتحاد، وإن لم يكن وحده، في طليعة هذه الأحزاب، لما راكمه من نضال سياسي وتجربة مؤسساتية، ولأنه اجتاز محطات صعبة وظروفًا عصيبة تجاوزها بالصبر والعزيمة. وهو اليوم في وضع تنظيمي وسياسي مريح يمكنه من الاضطلاع بدوره الوطني الكامل، والمساهمة الفاعلة في خدمة البلاد خلال هذه المرحلة المفصلية.
إن الحديث عن تصدره، إذن، ليس مجرد طموح نظري، بل احتمال سياسي قائم على معطيات موضوعية، ومؤشرات تنظيمية، ورصيد بشري مؤهل، ما يجعل عودته إلى الواجهة سؤال مرحلة أكثر منه شعار ظرف.