كتاب الاتحاد

الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية: جدوى سياسية في خدمة اليسار والوطن

على أبواب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وفي سياق سياسي مطبوع بتآكل الثقة وتراجع المعنى، يعود سؤال دور الأحزاب وقيمتها إلى الواجهة. وبالنسبة إلى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، لا يتعلق الأمر فقط بالاستعداد التقني أو التنظيمي، بل بإعادة وصل السياسة بسؤالها الجوهري: العدالة الاجتماعية، والإنصاف المجالي، وكرامة المواطن. من هنا، يبدو أن النقاش يجب أن ينصب على معرفة إن كان الحزب يملك اليوم ما يكفي من الجرأة والرؤية لتحويل تراكمه التنظيمي والسياسي إلى أفق مجتمعي جامع، يُقنع ويُعبّئ ويُجدد؟
من هذا المنطلق، ينبغي التساؤل إن كان الاتحاد سيواصل اعتبار النضال ضد استمرار التفاوت الاجتماعي قضيته المركزية فعلًا؟
كلنا يعلم أن موضوع التصدي للتفاوت الاجتماعي ليس عنوانًا طارئًا في خطاب الاتحاد ولا شعارًا انتخابيًا ظرفيًا؛ إنه جوهر المرجعية التي صاغت تاريخ الحزب ومواقفه داخل المعارضة، وأساس قراءته لاختلالات النموذج التنموي. غير أن التحدي اليوم يتجاوز الاعتراف بالمبدأ إلى بناء نسق اقتراحي متكامل يجعل من مناهضة التفاوت الاجتماعي المدخل الناظم لكل السياسات العمومية المقترحة: من التعليم والصحة إلى الشغل والسكن والعدالة الجبائية والإنصاف الترابي. هنا بالضبط يتقدم الحزب خطوة إضافية، وهو بصدد إنجاز برنامج انتخابي وتنموي في 20 نقطة موجّه للإعلام والرأي العام، يُحوّل هذا الاختيار القيمي إلى التزامات قابلة للتنزيل، ويمنحه لغة سياسية بسيطة وقابلة للفهم، دون التفريط في العمق أو الدقة.
ويأتي السؤال الثاني ليُكمل الأول: هل يملك الاتحاد الجرأة للاعتراف بأن أشكال التنظيم والخطاب القديمة لم تعد كافية؟
الواقع أن السنوات الأربع الماضية، وما تُوّجت به من مؤتمر وطني ثاني عشر، قدّمت جوابًا عمليًا قبل أن يكون نظريًا. فالمسار الذي اختاره الحزب لم يكن مسار قطيعة أو صدمة، بل مسار إصلاح هادئ ومتدرج: إعادة ترتيب داخلية، توحيد نسبي للرؤية، تجديد في الهياكل والنخب، وتطوير في أدوات التدخل والتواصل. هذا الخيار يعكس إدراكًا عميقًا لتحولات المجتمع ولحدود الخطاب التقليدي، ويؤكد أن الجرأة لا تُقاس بالصخب، بل بالقدرة على التكيّف المسؤول مع زمن سياسي جديد، دون التفريط في الثوابت.
ويتفرع عن ذلك سؤال ثالث لا يقل أهمية: هل يستطيع الاتحاد تحويل إرثه إلى مشروع مستقبلي بدل الاكتفاء بحراسته؟
إن قوة الاتحاد الاشتراكي لا تكمن فقط في غنى ذاكرته ورمزية تاريخه، بل في قدرته على استثمار هذا الإرث سياسيًا. فالتاريخ، حين يُستدعى للدفاع فقط، يتحول إلى عبء؛ أما حين يُحوَّل إلى أداة لفهم الحاضر وبناء البديل، يصبح طاقة دفع للمستقبل. في هذا السياق، يعمل الحزب على بلورة ورقة سياسية واقتصادية واجتماعية مفصّلة تُفكك بالأرقام والحجج فشل الأغلبية الحكومية الحالية، وتُبرز في المقابل نضج البديل الاتحادي، ليس بوصفه رد فعل، بل باعتباره مشروعًا متماسكًا يستند إلى تشخيص دقيق واقتراحات واقعية قابلة للتنفيذ.
ويُطرح أخيرًا سؤال التنظيم والديمقراطية الداخلية: هل يفتح الاتحاد أبوابه لنقاش داخلي تعددي، أم يكتفي بتدبير التوازنات؟
لقد أفرزت المرحلة الأخيرة أجهزة تقريرية متماسكة ومنظمة في أفكارها وتدخلاتها، وهو مكسب لا يُستهان به في سياق حزبي وطني يتسم بالهشاشة. غير أن هذا التماسك، كي يظل مصدر قوة، يحتاج إلى أن يُترجم إلى دينامية نقاش لا إلى انغلاق مريح. فتح النقاش الداخلي، استيعاب النقد، وتشجيع المبادرات الفكرية والمدنية القريبة من الحزب، هي شروط تحويل الوحدة التنظيمية إلى قوة اقتراحية قادرة على التجدد واستعادة الثقة.
خلاصة
إن الاتحاد الاشتراكي يدخل هذه المرحلة وهو أكثر وعيًا بتحدياتها، وأكثر استعدادًا لخوض غمار الاستحقاقات المقبلة بهدوء وحذر ومسؤولية. لكنه مدعوّ، في الآن نفسه، إلى استحضار درس مركزي من تاريخه: أن الوحدة كانت ولا تزال الدرع الواقي لحزب القوات الشعبية في مواجهة الهجمات والانتقادات التي غالبًا ما تشتد قبل المؤتمرات التنظيمية وقبيل المحطات الانتخابية. اليوم، المطلوب ليس تغذية الصراعات الشخصية أو الذاتية، بل رصّ الصفوف، وتغليب المصلحة الجماعية، وتحويل الاختلاف إلى قوة اقتراح.
بهذا النفس الوحدوي، وبهذا العمق البرنامجي المدعوم بالأرقام والحجج، يستطيع الاتحاد أن يستعيد صورته كحزب منفتح وواثق من نفسه، مرتبط بنقاش مجتمعي حقيقي خارج منطق البلاغات، وقادر على استرجاع ثقة الفئات المثقفة والوسطى والشبابية. وعندها فقط، يتحول النقد إلى طاقة تجديد، ويتجسد البديل الاتحادي كأفق واقعي ومقنع لمغرب أكثر عدلًا وإنصافًا.