المحامون يطيحون بمشروع للتغوّل التشريعي!
لم يكن ما جرى مجرد ارتباك عابر داخل التحالف الحكومي، ولا مجرد اختلاف في وجهات النظر حول مشروع قانون. لقد كانت لحظة سياسية وحقوقية فارقة، أسقطت عملياً مشروع تغوّل تشريعي كاد أن يُمرَّر بمنطق الانفراد، وأعادت التذكير بأن في هذا البلد مؤسسات حية ويقظة لا تسمح بتحويل الدستور إلى مجرد نص يُؤوَّل حسب الهوى أو يُستعمل كديكور لغوي لتبرير قرارات معدّة سلفاً.
رئيس الحكومة، الذي بدا في موقع شبه المستقيل سياسياً أمام ضغط الوقائع، وجد نفسه مضطراً إلى كبح اندفاعة زميله في التحالف والحكومة، بعد انفراده – وفق معطيات دقيقة من داخل الأغلبية – بمشروع يروم إلحاق المحاماة وتفريغها من دورها الدستوري، في مسعى واضح لتطويع إحدى ركائز العدالة تحت يافطة الإصلاح. لم يكن الأمر مجرد تعديل تقني، بل توجه يهدد جوهر استقلال المهنة، ويحوّلها من شريك دستوري في تحقيق المحاكمة العادلة إلى ملحق إداري خاضع لمنطق الوصاية.
كان يُراد تمرير النص بمنهجية أصبحت مألوفة: استعجال في الإحالة، تضييق في النقاش، وتعويل على أغلبية عددية جاهزة للتصويت في اتجاه واحد، وكأن البرلمان مجرد قنطرة عبور أو غرفة تسجيل، لا فضاءً دستورياً للتداول العمومي وصناعة التوازنات. هنا تتجلى الإشكالية الأعمق: أزمة فهم لوظيفة التشريع نفسها، حيث يتحول القانون إلى أداة لإثبات القوة بدل أن يكون إطاراً لضبطها.
غير أن الحسابات أخطأت تقدير قوة مقاومة رجال ونساء البذلة السوداء عبر قوة تنظيماتهم، ورغم كل الدفوعات تحت قبة البرلمان، ورغم نبرة التنمّر التي وسمت بعض المداخلات، وجد وزير العدل نفسه مبعداً عن الملف، بعدما اصطدمت إرادة الانفراد بيقظة الجسم الحقوقي والسياسي، وبوقفة تاريخية لرجال ونساء المحاماة الذين خرجوا بوعي ومسؤولية للدفاع عن مهنتهم، لا باعتبارها امتيازاً فئوياً، بل باعتبارها ضمانة دستورية للمتقاضين وللمجتمع بأسره.
لقد أثبتت هذه المواجهة أن النضال ممكن، وأن المواجهة القانونية والاحتجاجية ليست خروجاً عن المؤسسات، بل ممارسة مشروعة ومؤطرة بالدستور. وأكدت أن الاحتجاج السلمي، حين يكون مسنوداً بالحجج القانونية والوعي المؤسسي، يتحول إلى قوة تصحيح، ويمنع الانزلاق نحو تشريع أحادي يفتقر إلى التوافق والشرعية المجتمعية.
وهنا يتأكد أن ميزان القوى في الديمقراطيات لا يُحسم فقط داخل قاعة التصويت، بل أيضاً في الفضاء العمومي، حيث تتقاطع الإرادات، وتُختبر مشروعية الخيارات. وحين تنجح المهنة في فرض مراجعة أو تأجيل أو سحب نص، فإنها لا تنتصر لنفسها فحسب، بل تعيد الاعتبار لفكرة التشاركية التي نص عليها الدستور، وتذكّر الحكومة بأن التشريع ليس ملكية خاصة، ولا مجالاً لتصفية حسابات سياسية أو فرض تصورات ضيقة.
غير أن الصورة لا تكتمل دون العودة إلى معركة الإعلام، التي كشفت بدورها عن اختلالات منهجية خطيرة. فكما كادت المحاماة أن تُفرغ من مضمونها الدستوري، عاش قطاع الإعلام على وقع مشاريع وقوانين أُعدّت بمنطق الانفراد، دون إشراك حقيقي للمهنيين، ودون استحضار كافٍ للتوازن الدقيق بين التنظيم والحرية.
قانون المجلس الوطني للصحافة كان عنواناً بارزاً لهذا المسار. فقد قال فيه القضاء الدستوري كلمته بوضوح، مسجلاً خمس مقتضيات غير دستورية.
لم تكن تلك الملاحظات مجرد تفاصيل تقنية، بل مؤشر على أن منهجية التشريع نفسها تعاني خللاً عميقاً. ومع ذلك، استمر التعاطي مع الملف بروح دفاعية، وكأن الملاحظات الدستورية مجرد عثرة عابرة، لا مراجعة جوهرية تستدعي إعادة بناء النص من أساسه.
نتيجة ذلك، دخل القطاع في حالة شلل غير مسبوقة: فراغ مؤسساتي، ارتباك تنظيمي، وتراجع في الثقة. وكأن التشريع، بدل أن يكون أداة لتقوية الإعلام وتحصينه، أصبح سبباً في إنهاكه وتعميق أزمته. هنا يبرز وجه آخر للتغوّل: حين يُستعمل القانون لضبط الحقل وتطويعه بدل تطويره، وحين يُقدَّم تمرير النصوص دون مشاركة حقيقية كأنه نصر سياسي ضد خصوم مفترضين.
إن ما يجمع بين معركتي المحاماة والإعلام هو جوهر واحد: رفض تحويل المهن الحرة إلى ملحقات، ورفض اختزال البرلمان في وظيفة شكلية، ورفض التعامل مع الدستور كمرجع انتقائي. كلا الملفين يكشف أن هناك نزعة نحو تنميط المؤسسات، وإفراغ أدوارها النقدية والرقابية، عبر أغلبية عددية تتحرك في اتجاه واحد، حتى ضد منطق المحاسبة.
انتصرت البذلة السوداء لأنها تمسكت باستقلالها، وانتصر الجسم الحقوقي لأنه لم يصمت، وانتصر الدستور لأن من يدافعون عنه جعلوا منه مرجعية عملية لا شعاراً خطابياً. لكن الرسالة الأعمق أن هذا الانتصار ليس نهاية المعركة، بل بداية وعي جديد مفاده أن الحقوق تُصان بالفعل، وأن التوازنات تُحمى باليقظة، وأن الاحتجاج المشروع جزء من هندسة دولة القانون.
فلا عدالة بلا محاماة مستقلة، ولا ديمقراطية بلا إعلام حر، ولا تشريع سليم بلا احترام للبرلمان ولدور المعارضة ولروح الدستور.
ذلك هو الدرس الكبير لهذه اللحظة: حين تتوحد الإرادة المهنية والحقوقية، تُهزم نزعة التغوّل، ويستعيد القانون معناه الحقيقي… أداةً لتنظيم السلطة لا لتوسيعها، وضمانةً للحقوق لا وسيلة لتقييدها.