«وشم الريح» لليلى التريكي أو شاعرية الندوب اللامرئية
هي ازدادت ليلى التريكي، خريجة المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، سنة 1975 بمدينة الرباط، وهي مخرجة وسيناريست. أخرجت عدة أفلام قصيرة وتلفزيونية ويعتبر «وشم الريح» شريطها السينمائي المطول الأول.
ملخص الفيلم: تكتشف صوفيا، وهي مصورة شابة من طنجة، بالصدفة أن والدتها الفرنسية، التي كان يُعتقد أنها متوفاة، لا تزال على قيد الحياة في فرنسا. فتبدأ رحلة بحث عن أجزاء مفقودة من هويتها وعن أسرار عائلتها.
فكيف يُقدّم فيلم «وشم الريح» واقع ما بعد صدمة الاكتشاف حيث لا يعاد بناء الهوية من خلال الكشف أو التعويض بل من خلال تجربة حسية تتمثل في الأثر المنقوش على الأجساد والأشياء والأمكنة والتصرفات؟
جمالية البداية:
منذ جنريك البداية نسمع صوت البحر الذي بالرغم من كونه لم يصبح بعد مرئيا نجد له حضورا من خلال الصوت. هذا الاختيار الجمالي يجعل الفلم ينحاز لمنطق الإيحاء بدلا من التقرير ذلك أن المُشاهِد ليس مدعوا بعد للفهم، بل للإحساس. إن فلم ليلى التريكي قبل أن يكون حكائيا، نجده يقدم نفسه كتجربة حسية، حيث تتفاعل الأذن قبل العين وحيث تسبق العاطفة المعنى. لكن هذه الفجوة بين ما نسمعه وما لم نره بعد قد تخلق حالة من الترقب وتفسح المجال لتناسل التأويلات {بهذا الصدد}. فالبحر يمثل الانفتاح والتهديد في نفس الآن، مما يجعل الفلم يوحي بأن كل ما يلي سيتخلله هذا التذبذب بين الرغبة في الهروب وثقل المكوث، بين نداء البحر والبقاء القسري في واقع مُكبِّل.
أول لقطة في الفيلم هي لشجرة عملاقة تملأ الشاشة بأكملها، أغصانها بالكاد تكشف عن سماء المساء. اختيار اللقطة من زاوية منخفضة يضفي على الشجرة حضورا ساحقا، ويجعل منها قوة عمودية وأفقية تسيطر على نظرة المشاهد. ثم تقطع المخرجة وتنتقل بنا للقطة امرأة (إلين)، ترتدي معطفا أسود، مؤطرة من الخلف ليلا، نظرتها موجهة نحو أفق عبارة عن بنايات تبدو ضبابية ويفصل بينها وبين هذه البنايات نهر (لاغارون). لأول مرة، يظهر إنسان، لكن بلا وجه، بلا هوية مباشرة. معطف الشخصية الأسود يُدعم بصريا عتمة الليل. تبدو إيلين ثابتة، منفصلة عن العالم الذي تتأمله. ثم تُتبع ليلى التريكي اللقطتين السابقتين بلقطة من زاوية منخفضة لشجرة أخرى.
وهكذا، لا يبدأ الفيلم بحركة، بل بتوتر جمالي بين التجذر(شجرتين) والانفتاح (يتدفق نهر لاغارون بمدينة بوردو في المحيط الأطلسي)
تتلو كل هذا لقطة مقربة لصوفيا، تنظر من خلال فتحة الكاميرا، أصابعها تضبط العدسة ثم تنقر بأصبعها على زر التقاط الصورة. فاللقطة المقربة تعزل الوجه، وتفصله عن العالم المحيط، بينما تحافظ الرؤية الجانبية ثلاثة أرباع على جزء من غموض الشخصية على المتفرج تبديده ما دامت الشخصية لا تمنح نفسها كاملة للرؤية. هكذا وفي حين تظهر إلين كشخصية تنظر للعالم تظهر صوفيا كشخصية في طور بناء نظرة. حركة أصابع صوفيا، وهي تضبط فتحة الكاميرا، تُضفي على النظرة بعدا ملموسا. لم تعد النظرة آلية: إنها عمل، جهد، تعديل دقيق للواقع. العالم ليس أمرا مسلما به؛ بل يجب تعديله وتصحيحه. فصوفيا لا تستقبل الصورة بسلبية، بل تُشكِّلها. فبينما وقفت إيلين ساكنة أمام الأفق، تحاول صوفيا أن تؤثر على ما تراه.
عنوان يلخص الفيلم:
عنوان الفيلم بالفرنسية «بصمات الريح» وبالعربية «وشم الريح». دلاليا، يستند تعبير «بصمات الريح» إلى تناقضٍ شعري أساسي: الريح، بطبيعتها، غير مرئية، مُراوغة، بلا شكل ثابت؛ أما البصمة، على العكس من ذلك، فهي ما يميز، ما يبقى. وهكذا يربط عنوان الفلم بين الزائل والأثر، وبين الغياب والنقش. ويعلن أن الفلم لن يروي أحداثًا مذهلة، بل سيتطرق لآثار ما لا يُرى: مشاعر، صدمات، رغبات، انكسارات، تحولات. أما العنوان بالعربية «وشم الريح» فيضفي على هذا الأثر طابعا أكثر تطرفا ذلك أن الوشم علامة طوعية، مؤلمة، لا تُمحى ما دامت محفورة في الجسد. بينما البصمة قد تكون هشة، عابرة، وقد تمحى. أما الريح فهي استعارة للمرور، لكنها تُصبح هنا نقّاشةً للجسد، كاتبةً له وللذاكرة. وهكذا يعلن الفلم أنه لن يتطرق لمجرد آثار سطحية، بل وصمات حميمة، وعلامات عميقة تُخلّفها حركة الحياة نفسها. والعنوان، عكس بعض العناوين التي تعلن عن الفلم، فإن اللقطات الأولى من فلم ليلى التريكي هي التي تهيئ المشاهد بدقة لفهمه.
ينتمي عنوان الفيلم إلى تقليد العناوين الشاعرية والرمزية التي لا تهدف إلى الشرح أو التلخيص، بل إلى فتح مساحة للتأمل. إنه عنوان إذن يعمل كعتبة جمالية: فهو يُهيئ المشاهد لتجربة قائمة على الأثر وما لا يوصف، بدلا من وضوح الحكي.
فلم عن الذاكرة:
تتم سرقة استوديو آدم (أب صوفيا) لكن الفلم لا يعود إلى موضوع السرقة لكشف الجاني لأنه ليس فلم جريمة، بل فلم عن الذاكرة وكأن ليلى التريكي تنبهنا إلى أن المشكل يوجد في مكان آخر. تلعب السرقة دور المُحفّز للأحداث لا غير، وليست عنصرا محوريا في الفلم. لولا السرقة، لظلت صوفيا عالقة في الكذبة التي نسجها آدم الذي أوهم لسنوات ابنته صوفيا بأن أمها إلين متوفاة. هذا ما تصرح به صوفيا: « إيلين! أمي لا تزال على قيد الحياة. وكان من الواجب أن يُسرق الاستوديو لأكتشف الحقيقة.» (تجد صوفيا، أول من اكتشفت سرقة الاستوديو، رسالة أرسلتها إيلين إلى آدم مؤرخة في 15 أبريل 2021). هكذا فالسرقة تمحو الرواية القديمة لآدم لتحل الحقيقة وهي أن إيلين على قيد الحياة. ثم إنه في المحكي الحديث يمكن لحدث ما أن يبقى دون حل لكنه يختفي بعد أن يحرّك الأحداث.
بعد اكتشاف الحقيقة، تتخذ صوفيا خطواتٍ لمواجهة الوضعية الجديدة حيث تسعى إلى فهم أصولها، والعثور على والدتها، وكشف حقيقة ماضيها وعائلتها.
شخصيات تعيش على العتبة:
في بداية الفلم عندما تفتح صوفيا نافذة غرفتها نسمع صيحات طيور النورس. بعد أن يُسمع البحر ولا يُرى أثناء الجنريك، ها هي طيور النورس تستحضره، وهي طيور لا بحرية تماما ولا برية تماما مثل صوفيا التي تعيش هي الأخرى على العتبة، على طريق العبور، لها رغبة في الطيران لكنها لم تتحقق.
تنتقل صوفيا إلى شقة استوديو استأجرتها بمدينة بوردو الفرنسية لتنتقل بذلك من مدينة طنجة تاركة الفيلا بحديقتها وشجرتها وزليجها، إلى فضاء خال من الذاكرة.
ستكتشف صوفيا أن أمها تقطن بقارب. المنزل الأمومي إذن هو مسكن غير مستقر لأنه عائم، منزل بلا أرض، بلا جذور ثابتة. إلين عبارة عن جسد يستقر فوق الماء دون أن يتقدم. في أول زيارة لمنزل أمها لم تجدها به لكنها ستجد اسم أمها كعلامة بصرية بمدخل القارب/المنزل. إلين إذن شخصية حاضرة من خلال اسمها لكن غائبة من خلال جسدها، صوفيا لا تُصادف وجها، بل تُصادف اسما «إلين مايير». الأم موجودة كعلامة بصرية، لا كحضور مادي. تكتفي صوفيا بلمس اللوحة بيدها دون أن تطرق الباب.
عندما تصعد فرقة رايان للرقص الكوريغرافي إلى الطابق العلوي من المرآب (حيث تشتغل والدة إلين وحيث تتدرب فرقة رايان للرقص الكوريغرافي)، تتبعهم صوفيا، ونرى لوحة اسم على جدار الدرج مكتوب عليها «مدخل الفنانين». يمكن اعتبار اللوحة: «دخول الفنانين» عتبة مُمهدة بالنسبة لصوفيا فهي تعبرها دون أن تُصبح فنانة بعد لأنها لا تزال سارقة صور، مراقبة خفية (ستأخذ خلسة صورا للراقصين).
المقهى هو مكان للتوقف المؤقت حيث لا يستقر به المرء تماما. تجلس صوفيا دائما بمقهى الفنون بالمرآب تنتظر قدوم أمها أو ريان. تجد في هذا المكان المؤقت، الذي يعكس هويتها المتشظية، ملاذا للراحة. تظهر صوفيا هناك مرتين جالسة أمام كأس ماء بسيط ومرة أمام طاولة فارغة حتى من كأس ماء، وكل هذا يعكس ضبط نفس يتناقض بشدة مع الإفراط في شرب الكحول (والمخدرات) الذي طبع قصة والديها إيلين وآدم. هنا تستطيع صوفيا التعبير عن عزلتها، وحيرة مشاعرها، وألمها.
وأخيرا، في فلم تتخلله مواضيع المنفى والقطيعة والأبواب المغلقة، يُجسِّد المقهى شكلا من أشكال الضيافة البسيطة. كرسي، طاولة، كأس ماء، أشياء كافية لضمان بقاء صوفيا في هذا الوجود القاسي.
عندما تطرق صوفيا باب منزل/ قارب أمها كمحاولة منها لإعادة التواصل مع الماضي، لا تفتح أمها الباب. وتُظهر إيماءات إيلين خلف الباب أنها تريد فتح الباب، لكنها تتردد. والباب المغلق هنا هو حاجز مادي ولكن أيضا رمزي. ثم يُبرز تناول الدواء من طرف إلين هشاشتهاالنفسية. هكذا فصوفيا تبحث، تتقدم، تحاول العيش، لكن إيلين مشلولة بالخوف والتردد.
عندما تغادر صوفيا منزل/ قارب أمها التي أقفلت الباب في وجهها، تُظهر لنا المخرجة لقطة لتمثال سانا (الموجودة بساحة لاكوميدي ببوردو وهي للنحات Jaume Plensa) وهي منحوتة لفتاة صغيرة نائمة كما لو أن ما يهمها هو التأمل الداخلي. وبالفعل تشكل العوالم الداخلية للأم ولابنتها الأولوية في حياتهما مع فرق مهم وهو أن الحياة الداخلية لإلين لها الأسبقية على الفعل الخارجي. أما صوفيا فحياتها الداخلية هي من تبرر فعلها الخارجي.
تعيش إيلين دائمًا بأماكن انتقالية. تسكن بمنزل عائم لاهو بالأرض ولا بالبحر. بمدينة بوردو نراها تعبر الجسر. بمدينة طنجة تحل بفندق. تظهر غالبًا خلف نافذة أو باب. هي إذن دائما توجد بين حالتين: مرئية / غير مرئية وحاضرة / غائبة. هي حية وميتة في الآن نفسه إذ أنها ميتة بالنسبة لآدم حيث يقول:»بالنسبة لي، هي ميتة.» لكنها حية بالنسبة لصوفيا وإن كانت بعيدة المنال عاطفيا. تريد ابنتها كما جاء في رسالتها لآدم:»صوفيا جزء مني؛ أنا من جلبتُها إلى العالم.» لكنها تغلق الباب في وجهها.
عندما يمد ريان يده إلى صوفيا ويسلم عليها يكون هذا أول تواصل جسدي في الفلم بالنسبة لصوفيا مع شخص من خارج العائلة. وعندما يقدم ريان نفسه تجيبه باسمها الأول:»صوفيا. سررتُ بلقائك.»في هذه اللحظة ترى والدتها وهي تغادر المرآب فتترك ريان وحقيبتها لتطارد أمها، لكنها لا تجدها. وكأن الفلم يقول لنا أن صوفيا لا يمكنها أن تتواجد في عالمين في آن واحد أو أن العالمين لا زالا يتجادبانها.
عندما ترجع صوفيا بعد محاولة اللحاق بأمها، تخرج صورة أمها وتريها لآدم لترى إن كان سيتعرف عليها. هكذا وبعد أن حصلت على مكان ترتاح فيه هو المقهى، وعلى يد امتدت لها وعلى كلمات طيبة من طرف ريان، تعود صوفيا مجددا إلى البحث عن الدليل الحي على أصولها. هذا يُظهر أن إعادة البناء جارية بالرغم من أن مسألة الجذور/الهوية لم تُشفَ بعد.
لاحقا تُظهر صوفيا من جديد صورة أمها لريان وتقول: «هذه المرأة… هي أمي. لم أعرفها قط. لا تريد رؤيتي.» هكذا ولأول مرة تُعبّر صوفيا عن الجرح العميق وألم غياب والدتها. ريان كشخصية مرشدة يخاطب صوفيا:»أعلم أن ما تمرّين به ليس بالأمر الهيّن. لكن كل ما أستطيع قوله لك هو ألا تتسرّعي في الحكم. امنحي إيلين بعض الوقت.» يجب إذن التحلي بالصبر وإعطاء الوقت للزمن، مما يعني أن اللقاء أو المصالحة يتطلبان فترة من النضج.
أخيرا يمكن القول إن صوفيا تعيش بين قارتين وتوجد بين بلدين (المغرب وفرنسا)، بين لغتين (العربية والفرنسية)، بين والدين من جنسيتين مختلفتين (أب مغربي وأم فرنسية)، بين روايتين (كذبة موت الأم وحقيقة وجودها على قيد الحياة)، بين زمنين (الماضي والحاضر).
وظائف المشي:
عندما يُرفض ملفها الخاص ب(shooting) ينتقل الفلم إلى لقطة مقربة لصوفيا وهي تسير في الشارع وكأن صوفيا رغم عائق الرفض تتقدم وهكذا يؤكد الفلم على جمالية الاستمرارية الهشة، لا على النجاح الباهر.
مباشرة بعد بيع الكاميراالتي كانت تستعملها استعدادا للسفر إلى مدينة بوردو الفرنسية، تمشي صوفيا في الشارع وكأنه بعد فقدان جزء من هويتها العائلية (الكاميرا لها ارتباط بآدم كمصور وصاحب استوديو للتصوير مصدر إعالة العائلة)، ثمة فترة من فقدان الاتجاه يعبر عنها المشي.
عندما تجرُّ صوفيا حقيبتها في أرجاء مدينة بوردو بعد وصولها نعرف أنها أصبحت عابرة سبيل، غريبة، منفية. اختيار مدينة بوردو موفق لأنها مدينة أنهار، مدينة ميناء، وهي مدينة تغري بالرحيل أكثر من الاستقرار (تماما كمدينة طنجة). عند وصولها لمدينة بوردو تؤطر الكاميرافي البداية ظلها (المنعكس في الماء) فقط وهو يمشي وكأنها شبح ذاتها، إنها غياب يمشي. فتاة لم تعد شخصا مكتملا بعد، لا هي حية تماما ولا هي ميتة تماما. إنها كائن وسيط. هي بحاجة لهوية كي تكتمل وعبور زمن الفراغ هو جوهر لأية ولادة جديدة.
عندما تصل صوفيا إلى منزل أمها العائم وتفهم أنه لا يوجد أحد بالداخل تغادر المكان وتظهرها الكاميرا تمشي مساء في شارع ببوردو. بعد صدمة الغياب لم تصرخ صوفيا ولم تبك بل إنها تكتفي بالمشي. يؤكد الفلم دائما على المشي (ليس الجري) ذلك أن صوفيا لا تهرب من ألمها، بل تدعه يمشي معها.
يمكن اعتبار المشي أيضا وسيلة للتأقلم مع الرفض. فعندما زارت أمها وأغلقت هذه الأخيرة الباب في وجهها، لم تتكلم صوفيا لتشرح بل مشت وكأن المشي وسيلة لاحتواء الألم، بدل الصراخ.
في البداية كانت صوفيا تمشي وحيدة وصامتة. وفي منتصف الفلم أصبحت تمشي برفقة رايان واستبدل الصمت تدريجيا بالكلام. مع ريان أصبح المشي حوارا، رقصا إيقاعيا أحيانا بل ومصحوبا بالغناء. تمشي برفقة ريان دون أي تسلسل هرمي حيث يمشيان دائما جنبا إلى جنب. والملاحظ أن ريان لا يحل مشاكلها بل يمشي معها فقط. أما في نهاية الفلم فستمشي باتجاه قبر أخيها يوسف ثم نحو البحر، رفقة ريان في صمت، مما يعتبر نوعا من الحداد والانفتاح على أفق جديد ليس بحاجة للكلام، أفق يتلاءم وطبيعة صوفيا الصامتة. وبالفعل في فلم ليلى التريكي تمشي صوفيا أكثر مما تتكلم.
أخيرا وإذا ما استثنينا المشي نحو منزل والدتها والمشي النهائي أمكن القول إن صوفيا لا تمشي أبدا بهدف محدد بل تمشي كي تتجنب الانهيار والبقاء على قيد الحياة. إنها لا تهرب ولا تختبئ بل تمشي. إن المشي تيهٌ واعي، وليس هروبا.
ريان مرشد من نوع خاص:
ريان هو مرشد صوفيا الفني والروحي. يُغذي الروح، ويوقظ الإبداع، ويُقدّم شكلا من أشكال التجديد الداخلي من خلال الرقص ورؤية معينة للتصوير.
ومن دون أن يُفسّر ألم صوفيا يُقدّم لها خطوات بسيطة لتجاوزه كالتنفس على سطح المبنى، والتأمل في انعكاس الصورة على الماء ثم الرقص والغناء. ومن دون أن يُقدّم نفسه كقدوة، يشاركها ضعفها عندما يتحدث عن منفاه، والحرب، ووفاة والده وشقيقه، وفقدان رفيق سفره. ورغم ذلك تَعلم كيف يتعايش مع جراحه. ولهذا السبب فهو كَمَنْ يُعلم صوفيا السير في الظلام دون توقف مُظهرا لها بذلك أن الألم يمكن أن يصبح مصدرا للإبداع، لا قدرا محتوما.
عندما تأتي صوفيا إلى المرآب بحثا عن والدتها تلتقي بشخص آخر هناك. فحيث تكون الأم مجرد اسم، تجد شخصا هو ريان، في مقابل الهروب تجد الحضور وفي مقابل الصمت تجد الكلام. وكأنها ستخرج من عالم الصدمة لتلج عالم العلاقات. هكذا يُحوّل الفلم ببراعة شخصية الأبوة من الدم إلى نوع من الإرشاد. فلم «وشم الريح» ليس مجرد فلم عن روابط عائلية مُفككة، بل هو فلم عن إعادة ابتكار التواصل.
يتبنى ريان تصورا خاصا للإبداع. فالعبارة التي يقول لصوفيا: «يحتاج الإنسان إلى لمسة من الجنون، وإلا لما قطع الحبل ولما كان حرا.» هي تحديد للإبداع كمخاطرة، تقطيع للحبل أي تخل عن القيود. لكنها تعبر في الآن نفسه عن حالة صوفيا التي هي بصدد قطع حبل النسب الزائف، حبل السجن العائلي عكس آدم الذي لم يصب بـ «لمسة الجنون» وحبس نفسه في المنزل. عند ما يصحح ريان:»هذه الكلمات ليست لي؛ إنها في الرواية.»(يقصد رواية «زوربا اليوناني») فهو يرفض تقديم نفسه كمالك للحقيقة، بل كقناة لعبور القولة.
عندما تلتقط صوفيا صورا للحفلة الموسيقية بالمرآب فهذا يعني أنها ما تزال في وضعية تصوير للخارج، لكن فعلها سيقاطَع حيث يأخذ ريان يدها ويدعوها لمرافقته إلى قمة المبنى. يسحبها إلى الفوق بعيدا عن الحفل والتصوير بالكاميرا، ينتشلها من دور المُشاهدة ليقحمها في تجربة جسدية للعالم. تتوقف عن مُشاهدة الحياة لتبدأ بالدخول فيها. فوق سطح البناية يدعوها لتمرين التنفس: «تنفسي بعمق… استنشقي… ازفري…». نحن لسنا أمام مجرد تمرين استرخاء بل أمام طقس من طقوس البقاء. التنفس بكل بساطة هو دليل على أن المرء على قيد الحياة، دليل على أن الجسد لم يمت من الصدمة، وأن هذه الحياة ما زالت فيها أشياء تستحق الانتباه ويجب أن نتقبّل الوجود رغم حقائقه الصادمة. ويدعم ريان هذا بقوله: «غدا سيكون كل شيء أفضل» وكأنه يعطيها وصفة للعلاج النفسي عبر الأمل. وعندما يضيف: «بطريقة أو بأخرى.» فهذا يعني أنه لا يمكن توقع الطريقة لأنها غير عقلانية. وعندما يعيد إليها ريان الكامرة فهذا يعني أنها ستستعيد نظرتها ولكن كخيار وليس كإكراه أو كإرث عائلي. هكذا يعمل ريان كمرشد فقط، لا كواهب للقوة.
عندما يقوم ريان بإهداء سبحة بها نجمة عشتار (عشتار إلهة متعددة الدلالات لكن الجانب الذي يهمنا بارتباط بالفلم هي أنها رمز التحول لا الثبات) لصوفيا فهذا يعني حثها على الاستمرار في السير بالرغم من أن الوجهة غيرمحددة. وكأن المهم في الحياة أحيانا ليس إلى أين نذهب، بل كيف نتقدم. والملاحظ أنه طوال المشهد بسطح المرآب تبدو الشخصيتان واضحتان بينما الخلفية ضبابية. يُشير هذا الاختيار البصري إلى أن الواقع الموضوعي أصبح ثانويا وحل محله الواقع الوجودي. وكأن صوفيا على أعتاب ولادة رمزية جديدة.
في المتتالية التي تظهر فيها صوفيا في غرفة التحميض وهي تعالج الصور وتُدقق فيها، يظهر ريان، عبر المونتاج المتوازي، في فضاء «حياة الفن»، وهو يؤدي حركاته الكوريغرافية تحت ضوء يتسلل من السقف. تمثل صوفيا هنا النظرة التأملية والذاكرة في حين يجسد رايان التعبير الجسدي والروحي عن الألم. فالرابط بينهما ضمني إذ المشاعر التي تُحس بها صوفيا من خلال الصور تجد صدى جسديا في رقص رايان. رقصة رايان هي إسقاط جسدي للألم وللماضي. ثم إن رقص رايان مقابل تأمل صوفيا يخلق تباينا بين الحركة والسكون. وتضيف الموسيقى الصوفية بُعدا روحيا وتأمليا حيث يعزز الضوء الخافت، المتجه نحو الأسفل، التصوف، والتأمل، والهالة الروحية، مُذكرا بالطقوس الصوفية والإضاءة الرمزية للحقيقة الداخلية.
ثم إن رايان فوق هذا وذاك رجل سخي. فهو يُهدي صوفيا السبحة ويعيد إليها كاميرتها دائما. كما أنه يتركها ترحل، دون وعود أو تعلق. وهو لا يطلب شيئا في المقابل.
آدم، أب سجين الماضي:
في إحدى المشاهد تدخل كنزة إلى المطبخ حاملة الخبز وكأنها تريد مواصلة حياتها لكن هذه الحياة اليومية مع آدم مهددة. يقول لها آدم: «كنت أنتظرك». عكس صوفيا التي غادرت لإنقاذ نفسها فآدم لم يعد فاعلا، إنه ينتظر، وعوض المواجهة يريد الانسحاب من منزله. سيغادر إلى منزل سامي لأنه لم يعد يعرف كيف يبقى. هذا ليس قرارا واضحا ولا خطة، إنه هروب نحو ملاذ مؤقت ما دام سيغادر بلا هدف حقيقي. يخبرها أيضا: « لن أرهن هذا المنزل «. لم يعد المنزل مكانا للحب أو حتى للعائلة إنه إرث مقدس، رمز للهوية، بقايا من الأب الراحل. عندما يأخذ آدم حقيبته ويغادر عند سامي فإن مغادرته تُحاكي مغادرة صوفيا إلى بوردو، لكن الفرق بينهما جوهري إذ إن صوفيا تغادر نحو المجهول في حين أن آدم يغادر نحو خلاص ما.
وجبت الملاحظة أنه عندما يغادر المنزل ويغلق الباب، تسقط قطعة زليج على الأرض وتنكسر. إذا كان الزليج يمثل عمل آدم، الإصلاح، الذاكرة الأندلسية، إرث الجد ومحاولة إعادة تجميع الماضي فإن كل هذا يتحطم في لحظة الرحيل. هذا يعني أن المنزل لم يعد ملاذا، بل خرابا صامتا. هذا ليس انكسارا عرضيا بل انكسارا وجوديا. لقد أراد آدم إنقاذ الجدران لكنه فقد أصحابها بل فقد مكانه بينها.
المركز كمساحة للإبداع:
يوضح ريان أنه هو ومجموعة الراقصين بالمركز التابع للمرآب الميكانيكي بصدد تطوير مشروعهم الفني ويشتغلون هناك مؤقتا. على عكس منزل آدم، الذي كان موروثا، ثابتا، مقدسا. هنا بالمركز، المكان ليس موروثا؛ إنه يوظف في اللحظة الراهنة. وعندما يعطي ريان بطاقة عنوان المركز مع رقم هاتفه لصوفيا فهو يفتح أمامها إمكانية تواصل مستقبلي لا علاقة له بأبيها وأمها. ويتعزز هذا المنحى عندما يقول لها ريان عن المركز: «يمكنك اعتباره منزلك. يمكنك أن تشمّي فيه رائحة المنزل.» هكذا لم يعد المنزل تلك الفيلا بطنجة بكل إرثها وزليجها وشجرتها، بل أصبح مساحة للإبداع، مكانا للأجساد الحية، مكانًا خاليا من الذكريات المؤلمة، مكانا اختياريا لا مفروضا. بل في إحدى المساءات بالمرآب الميكانيكي كانت ثمة فرقة موسيقية وغناء ورقص. والملاحظ أنه حتى الآن، كان الليل في الفلم وقتا للحزن؛ أما هنا فنحن أمام ليلة للاحتفال الجماعي، للأجساد، للإيقاع.
وظائف الصورة:
بعد ظهور عنوان الفلم، نمر مباشرة إلى لقطة مُقربة لصوفيا وهي تعمل بمختبر التصويربغرفة التحميض حيث تستخدم آلة قطع ورق الصور.ثم تُظهر لقطة موالية صوفيا وهي تنزل الدرج إلى أسفل استوديو التصوير. فبعد لقطات من زاوية منخفضة في البداية لأشجار تشرئب نحو السماء، نرى الآن حركة معاكسة حيث لم تعد النظرة نحو الأعلى، بل نزول صوفيا نحو الأسفل ومعها حركة الكاميرا إلى المجال الاجتماعي. إن الدرج هنا ممر بين عالمين: الأعلى حيث العمل الانفرادي والأسفل حيث التجارة والعلاقة مع الزبائن. عندما تغادر صوفيا الاستوديو يخاطب آدم زبونة شابة كانت تنتظر:»آجي آبنتي» يخاطب آدم زبونة مستعملا نفس التعبير الذي من المفترض أنه يخاطب به ابنته. هذا الخلط العاطفي في اللغة يرسي، بذكاء، استمرارية بين النسب البيولوجي والعلاقة المهنية، كما لو أن كل العلاقات حسب منطق آدم متساوية ويغلب عليها الطابع النفعي. الصوة التي تلتقطها صوفيا إذن تندرج ضمن مشروع تجاري.
الصورة هي أيضًا مسألة مركز ومحيط، مسألة شرعية جغرافية. هكذا عندما تسأل صوفيا مدير وكالة التواصل:»بالمناسبة، ماذا عن جلسة التصوير(shooting) بالدار البيضاء؟» والتي شاركت فيها صوفيا بغية الظفر بمنصب شغل. فالدار البيضاء هنا ليست مجرد مدينة بل هي عاصمة رمزية للطموح المهني، والاعتراف بالكفاءة وبالتالي إمكانية التطور والترقي. لكن رد المدير يأتيها قاسيا: «قدّمتُ ملف أعمالك، لكن للأسف، اختاروا شخصا من الدار البيضاء. «هذه الجملة مؤلمة لأنها تظهر أن ليست الموهبة ولا العمل ما يُشكك فيه، بل الأصل الجغرافي. رُفضت صوفيا ليس لأنها ليست جيدة، بل لأنها من خارج الدار البيضاء.
يُظهر الفلم أيضا بأن عالم الصورة هو عالم منغلق. فكنزة تطرح سؤالا حاسما على زوجها آدم: «مكتفكرش تْجيب شي واحد يعاونك في الاستوديو؟» سؤال يفتح الباب أمام إمكانية الاختلاف، والعالم الخارجي، والمشاركة، والتطور. لكن آدم يجيب:» مافيا اللي يْدخل عْليا شي بْراني. صوفيا كاينة. « ليتضح أن آدم ينظر إلى «الغريب» على أنه تهديد، خطر على التوازن المغلق لعالم العائلة. يُفضل آدم إسناد دور لابنته على فتح مساحة للآخرين. ترد عليه كنزة: «صوفيا ما يمكنلكش تْلزم عليها الاستوديو آآدم. هي اللي خصها تْقرر واش تْقابل المحل ولا تْخدم حرة دْراسها.» تعبير « حرة دراسها « جوهري هنا لأنه يتعارض مباشرةً مع منطق الوصاية الممارس باسم العائلة. أمام هذا الإحراج يحاول آدم تقديم توليفة وهمية: «يْمكنلها تْديرهُم بْجوج. أنا دْرتها.»لكن كنزة تُحطم هذا الوهم:»لا انْت ما درتيهاش. قابلتي المحل وسْمحتي فالصورة.» يعتبر رد كنزة من أعنف ما وجه في الفلم لآدم لأنه يكشف عن تخليه عن الرغبة، عن الفني الفوتوغرافي في سبيل الوظيفة. لهذا يمكن اعتبار بيع صوفيا كاميرتها قطيعة مع الأب. فالكاميرا ليست مجرد أداة بل إنها إرث آدم المباشر، إنها الرابط الفعلي مع الاستوديو. بيعها هو طريقة رمزية للقول لآدم: «لم أعد أرغب في أن أكون امتدادا لك.» بيعها يشكل أيضا قطيعة مع صوفيا القديمة التي كانت هويتها مبنية على أكذوبة موت أمها.
يشير ريان، في حوار له مع صوفيا، إلى أهمية العين الخارجية الذكية أثناء التصوير. فالكامرة ليست مجرد أداة تقنية بل أداة لاستكشاف الحركة والأحاسيس. هكذا يدعو صوفيا للانضمام إلى الراقصين، لالتقاط صور من داخل الحركة لتنتقل من مُشاهِدة إلى مُشارِكة ويمحي بذلك الفاصل أو الحاجز بين النظرة الخارجية والتجربة الداخلية. وكأن هذا المشهد يُجسّد إعادة بناء علاقة صوفيا بالحياة والحركة والإبداع، بالتوازي مع بحثها عن والدتها. ويذهب ريان أبعد من هذا حين ينصحها» دَعي كامرتك تُرشدكِ في حياتك» ليفيد بأن التصوير الفوتوغرافي ليس مجرد وسيلة لحفظ الذاكرة بل أيضا وسيلة للإدراك وبناء الذات.
النهاية:
صوفيا وريان يغادران القبر حيث يرقد يوسف أخ صوفيا، يسيران على طول الطريق المُحاط بالأشجار. يمتد البحر أمامهما، مُشكّلا أفقا، رمزا للمستقبل والتجديد. في بداية الفلم صُوّرت صوفيا أمام الشجرة وجسدها يعانقها، يعانق العمودية لكن في نهاية الفلم ها هي تُصوَّر وهي تسير نحو البحر رفقة رايان. لقد تحررت من عمودية مؤلمة فُرضت عليها، من قصة لم تخترها لتتوجه نحو أفقية قد تمكنها من أن تغير حياتها ما دامت أفقية مفتوحة.
في الجنريك النهائي نقرأ: «الفلم مستوحى من قصص حقيقية جرت منذ ستينيات القرن الماضي مع حركة الهجرة من المغرب العربي إلى أوروبا. وحتى يومنا هذا، يأمل آلاف الأطفال، من أزواج من أعراق مختلطة، العثور على أب أو أم بيولوجيين، والجزء المفقود من هويتهم في إحدى القارتين.» مما يضع الفلم في سياق تاريخي واقعي، ويربط بين الحبكة الشخصية لصوفيا (التي نشأت وهي تعتقد أن والدتها قد ماتت، لكنها في النهاية اكتشفت الحقيقة، وبدأت البحث عن والدتها وواجهت جراح الماضي) من جهة وظاهرة جماعية من جهة أخرى، ويدعو بالتالي المتفرج إلى التفكير فيما وراء حالة صوفيا الخاصة، ليفهم أن العديد من الأطفال قد عانوا من الوحدة نفسها، والفضول نفسه، والرغبة نفسها في إعادة بناء الهوية وملء الفراغ الذي خلّفه غياب أحد الوالدين.
يعكس تعبير «البحث عن جزء مفقود من هويتهم» رحلة صوفيا أيضا إذ من خلال لقائها بإيلين واكتشاف تاريخ عائلتها، تُعيد هي الأخرى بناء هويتها، الشخصية والعائلية.
خاتمة:
يُذكّرنا فيلم ليلى التريكي بأن بعض جراح الماضي لا يتم التعبير عنها صراحة، بل تعاش عبر الزمن والأمكنة والأجساد والمناظر الطبيعية.
يُقدّم «وشم الريح» سينما الأثر (la trace) لا سينما الكشف، سينما لا يُمحى فيها الخفي، بل يصبح محسوسا من خلال آثاره. وكما هو حال الريح التي يستحضرها الفلم، يبقى الماضي مراوغا، ولكنه يظل فاعلا عبر البصمات الدائمة والعميقة التي يخلفها.
في الختام، يَبرُز فلم «وشم الريح» لليلى التريكي كعمل فريد من نوعه في المشهد السينمائي المغربي ليس فقط بسبب الموضوع الذي تناوله – قضية أبناء الزواج المختلط بالهجرة – بل وأساسا بالطريقة التي اختارها لجعله محسوسا. لا تسعى ليلى التريكي إلى تقديم تفسير مُتصالح مع الماضي الأليم بل توظفه جماليا وتترك الباب مشرعا لتقديم الأجوبة.