في الندوة التكريمية التي نظمها معهد صروح للثقافة والإبداع .. فاس تكرم محمد بوهلال وتستعيد ذاكرة قلمٍ ظل وفيا لرسالة الصحافة
في الندوة التكريمية التي نظمها معهد صروح للثقافة والإبداع تحت شعار «تجليات الإبداع في سيرة الأديب الإعلامي محمد بوهلال»، غصت قاعة الندوات بالمديرية الجهوية للثقافة، خلال الأسبوع الفارط، بجمهور نوعي من الصحافيين والأدباء والشعراء والسياسيين لمواكبة هذا اللقاء الثقافي.
الشاعرة الرقيقة ذ. نبيلة حماني، رئيسة المعهد، التي رحبت بالحضور،تحدثت عن قامة إعلامية وأدبية أعطت الكثير لمدينة فاس في المجالات الإعلامية والأدبية والسياسية، ويتعلق الأمر بالزميل الروائي محمد بوهلال. ثم انتقلت للحديث عن مساره التعليمي والإعلامي والأدبي وأهم إصداراته الروائية، من بينها «في الضفة الأخرى» و»أوراق من شجرة الحياة» و»أحلام منكسرة».
رئيس الجلسة، الإعلامي الأديب المتألق ذ. عبد السلام الزروالي، ألقى كلمة عميقة ومؤثرة، نقتطف منها: «يلتئم هذا الحفل لتكريم وجه بارز من إعلامنا الوطني وأحد قيدومي الصحافة الجهوية بمدينتنا، الإعلامي محمد بوهلال». وأضاف: «في حياتي أسماء لا أنساها، مشهورون ومغمورون، رجال ونساء، نجوم عاشت المجد وأخرى سقطت كشهب في زوايا النسيان. حياتي هي الناس، وإذا كان الكتاب يصفون جمال الطبيعة، فأنا رأيت جمال الطبيعة في البشر، وأكرر دائما أن الجمال هو رضى الله على مخلوقاته. عرفت في حياتي أشكالا وألوانا من البشر، شاركتهم آمالهم وآلامهم، عشت معهم وهم في أعماقي، وحاولت أن أرسم الصورة من كل جوانبها».
وتابع قائلا: «أشهد من موقع الصداقة والزمالة أن بوهلال لم يكن صحافيا فقط، بل كان ضميرا مهنيًا، ورجلا يرى في الوطن بيتا لا يهدم، وفي الحقيقة قيمة لا تساوم، وفي القلم أمانة لا يحملها إلا من يعرف وزنها. سيبقى اسمه منقوشا في الذاكرة قبل صفحات الجرائد، صوتا هادئا في زمن الصخب ونبراسا يذكرنا بأن الصحافة ليست مهنة فقط، بل رسالة. إليه أرفع قبعتي».
من جهته، أكد الناقد الأدبي ذ. أحمد بلخيري أن دلالة الاحتفاء ومناسبة التكريم تعبير عن التقدير والإشادة بالمحتفى به وأعماله ومواقفه، مشيرا إلى أن الإعلامي الروائي محمد بوهلال نموذج للمثقف العضوي بالمفهوم الغرامشي، خاض معركة الكلمة في مقالاته ومراسلاته ومنجزه الإبداعي في الزمن الصعب. وأضاف أن تجربته الصحافية وخبرته الحياتية ومعرفته بالإنسان الذي يكتب عنه أسهمت في إغناء مسيرته الإبداعية، إذ لم تكن الصحافة تنفصل عن الكتابة لديه، ولم يكن سهلا أن تنشر في المحرر والاتحاد الاشتراكي وتكون كاتبا مبدعا في الآن ذاته.
وسلط الشاعر القاص الدكتور إدريس الواغيش الضوء على روايتي في الضفة الأخرى وأوراق من شجرة الحياة، وقارن بين الروائي بوهلال والراحل عبد الكريم غلاب، رائد الرواية المغربية ومؤسسها وصاحب دفنا الماضي. وأوضح أن بوهلال، باعتباره عاش في عمق المدينة العتيقة، كان أكثر دقة في الحديث عن عادات فاس وتقاليد أهلها، كما تناول في بعض فصول الروايتين عددا من الأحداث بجرأة نادرة، بصفته ساردا ينتقل من البداية حتى النهاية عبر عوالم حكائية تكشف اشتباك العلاقات بشخصيات أثرت في طفولته وشبابه.
واقتطف الواغيش مما كتبه الدكتور رشيد بناني في تقديمه للرواية: «خلال قراءتي للروايتين تمنيت لو أن كل واحد من هذا الجيل ساهم بمثل هذه المذكرات وضمنها تجاربه العامة ومعاناته الخاصة ومشاهداته لمجتمع مغربي في خضم التحول، لساهمنا في كتابة تاريخ اجتماعي موازٍ لعمل المؤرخين، ولفتحنا صفحات من السنوات الخمسين الغنية بالحركة التي تلت الاستقلال».
وفي مداخلته، أكد ذ. جواد شفيق، أنه احتك بقامات نضالية عندما حل بفاس قادما من صفرو لمتابعة دراسته الجامعية، وعاش التجربة الاتحادية الجماعية وما بذله الاتحاديون من مجهودات لإنقاذ فاس، خاصة في المجال الثقافي. وأشار إلى برنامج ثقافي مكثف شمل مهرجانات الموسيقى الأندلسية والملحون، والمهرجان الشعري، وسينما المرأة، ولقاءات مع كتاب عرب ومغاربة، مما جعل فاس محطة إشعاع أدبي وفني. وقد واكب بوهلال هذه الطفرة بكتاباته، واهتم بإشكاليات المدينة وانتقد مسؤوليها، مما عرضه للاستنطاق عدة مرات، بل وحوكم دفاعا عن ممتلكات فاس، مؤديا غرامة نضاله الإعلامي من ماله الخاص.
أما المناضل الكبير ذ. الغندور، الشاعر والفنان التشكيلي، فاعتبر اللقاء فرصة لتلاقي الوجوه المناضلة وصلة الرحم بين الحاضرين، مؤكدا أن التكريم ينبغي أن يكون في حياة المكرَّم. وأضاف أن محمد بوهلال ظل مؤمنا بقضايا الشعب وبأن الاشتراكية المغربية قادرة على مواجهة آفة الفقر والتخلف، مستعرضا تجربته في المجلس الجماعي وما حققه من مشاريع لفائدة الساكنة، خاصة في الدواوير الصفيحية بطريق إيموزار.
الكاتب الصحفي عزيز باكوش، الذي تعذر عليه الحضور، بعث بورقة نقدية حول رواية أحلام منكسرة، تلت بعض فقراتها الجمعوية ذ. أمينة مجدوب، مشيرة إلى أن العمل هو الثالث في ريبيرتوار بوهلال، ويقدم سيرة روحية مستلهمة من حياة مدنية، تتناول الهجرة جنوب–شمال من خلال ثلاثة شبان مغاربة تحطمت أحلامهم على صخور الواقع.
من جهته، قال الناشط الجمعوي والإعلامي محمد حداد إنه تعرف على بوهلال نهاية سنة 1977 عندما كان يمارس مهنة التعليم، واصفًا إياه بالمناضل المنضبط والخلوق، الذي مارس العمل الجماعي بنقاء وخرج من تجربته نظيف اليد، كما أبدع في المجال الأدبي واشتغل بجد في اللجنة الجهوية للمجلس الوطني لحقوق الإنسان.
كما بعث الأديب الشاعر القاص والإعلامي الرائد محمد السعيدي بمداخلة أكد فيها أن بوهلال ملتزم بالروح الاشتراكية منذ نعومة أظافره، وهو ما انعكس في رواياته التي هيمنت عليها الواقعية وتشخيص الواقع بدقة.
وكان آخر المتدخلين مفتش التعليم الثانوي ذ. محمد كوزي، الذي نوه بمميزات المحتفى به التعليمية وإخلاصه لتلامذته وحرصه المتواصل على الابتكار في المجال البيداغوجي، حيث ابتكر طرقا خاصة في التدريس أهلته ليصبح مؤطرا لتكوين المتدربات والمتدربين بمؤسسة ابن طفيل التطبيقية.
وفي كلمته، اعتبر الزميل بوهلال أن هذا التكريم له طعم خاص، لأنه يشعر بأنه في رياض الثقافة والإبداع تحف به شاعرات فاس وشعراؤها، وفي طليعتهم شاعر فاس الكبير ذ. عبد الكريم الوزاني. كما نوه بهذه الالتفاتة النبيلة التي ستظل راسخة في ذهنه، وبالأنشطة الثقافية التي يقوم بها معهد صروح رغم قلة الإمكانيات، مشيدا بالمجهودات التي يبذلها الأديب والصحافي عبد السلام الزروالي لإحياء جذوة الإعلام والثقافة بفاس.
وعلى هامش الندوة، ألقت الشاعرة المتألقة ذ. حكيمة الحضري قصيدة بعنوان «سلام على من قال صدقا» عكست فيها سيرة المحتفى به بأسلوب جذاب، جاء فيها:
«سلام على قلم إذا خط أنصفا
وإذا صاغ خبرًا زانه الصدق والصفا
محمد بوهلال وفي الحرف همة
تضيء الدجى فكرا وتخجل من جفا».
وعرفت الأمسية أيضا استراحة فنية موسيقية أحياها الفنان الزجال حميد تهنية، الذي أدى قطعتين من التراث الشعبي المغربي، زينت البدور والشاغلاني، وسط تفاعل كبير من الحاضرين الذين صفقوا مطولا لهذا الأداء المتعدد المواهب.