كتاب الاتحاد

معركة الدفاع: أي نموذج للعدالة نريد؟

في الأنظمة الدستورية الحديثة، يتم التعامل مع المحاماة طبعا كخدمة قانونية يقدمها مهني لزبون، ولكن الأهم من هذا هو كونها وظيفة اجتماعية ودستورية متصلة مباشرة بضمان الحقوق الأساسية، تماما كما هو مؤسس لها في القانون الدولي لحقوق الإنسان، وفي مقدمته، مبادئ هافانا بشأن دور المحامين (الأمم المتحدة، 1990) والتي تعتمد المبادئ الأساسية التي أقرها مؤتمر الأمم المتحدة الثامن لمنع الجريمة (هافانا، 1990) كمرجع دولي مركزي، وتنص على أن للمحامين الحق في أداء جميع وظائفهم المهنية دون تخويف أو عرقلة أو مضايقة أو تدخل غير لائق، كما يجب أن يكونوا قادرين على إسداء المشورة لزبنائهم وتمثيلهم وفقا للقانون والمعايير المهنية المعترف بها دون ضغط من أي جهة، وللمحامين، عبر منظماتهم المهنية، دور أساسي في تنظيم المهنة وصون استقلالها.
هذه المبادئ تربط صراحة بين استقلال المحامي وحق المواطن في الحماية القانونية الفعالة لأن المحامي غير المستقل لا يستطيع أن يكون ضمانة ضد تعسف السلطة أو اختلال موازين القوة داخل المحاكمة.
القانون الدولي هنا يعتبر المحامي شرطا لقيام المحاكمة العادلة.
المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (الذي صادق عليه المغرب) تنص هي الأخرى على حق كل شخص في محاكمة عادلة وعلنية، وفي المساواة أمام القضاء وفي أن يمنح من الوقت والتسهيلات ما يكفي لإعداد دفاعه، وأن يدافع عن نفسه بواسطة محام يختاره بنفسه، ولكن ما جدوى الحرية في هذا الاختيار إذا كان المحامي نفسه خاضعا لضغوط مؤسساتية أو قيود تحد من حريته المهنية؟ لذلك اعتبرت هيئات الأمم المتحدة أن استقلال المحامي جزء لا يتجزأ من مضمون الحق في الدفاع، وهو ما تؤكده كذلك المادة 7 من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، الملزم لدول الاتحاد الإفريقي، والتي تكفل حق كل فرد في أن يدافع عنه وأن فعالية هذا الحق مشروطة بوجود دفاع مستقل وغير خاضع للسلطة التي يراقبها.
لم نلجأ إلى الاستشهاد بالاتفاقيات والمعايير الدولية في موضوع قانون مهنة المحاماة من باب الاستعراض المعرفي لاتفاقيات هي على بعد نقرة زر بل لأن الموضوع يتعلق بحقوق أساسية وبأداة ممارسة حق دستوري، الحق في الدفاع والمحاكمة العادلة.
وهذان الحقان مكفولان دوليا والمغرب التزم بهما رسميا وبالتالي التشريع الوطني ملزم بأن ينسجم معهما، خصوصا أن دستور 2011 نفسه ينص على سمو الاتفاقيات الدولية كما صادق عليها المغرب، وعلى ملاءمة التشريعات الوطنية معها، وهذا يرفع أيضا مستوى النقاش من النقاش المهني إلى النقاش الحقوقي في بعده الدولي، وينقله من صراع داخلي إلى صورة المغرب كدولة تحترم التزاماتها الدولية واختبارا لمدى احترامها لها، ثم لأن المعايير الدولية وجدت تحديدا لحماية المهن القانونية من تدخل السلطة. فتاريخيا، وضعت مبادئ هافانا لأن الأنظمة التي تضعف المحامين تضعف القضاء ولأن المحامي هو أول حاجز أمام التعسف ولأن تقييد الدفاع هو بداية اختلال العدالة…
لهذا ارتأينا الاستشهاد بالقانون الدولي والاتفاقيات التي صادق عليها المغرب حتى نوضح أننا لسنا بصدد اختراع مبدأ جديد نحن فقط نطالب بتطبيق ما استقر عليه الضمير القانوني الدولي.
فهل الوزير وهبي جاهل بكل هذا أم أنه يأتي ليؤكد ما قاله أمام المغاربة من داخل البرلمان حينما أقر أن المؤسسة التشريعية اليوم فعلا تتبنى خطا رأسماليا متوحشا تصاغ فيه القوانين بما يتوافق مع مصالح طبقة معينة؟
لقد استغل الوزير انشغال الرأي العام بتدبير التقلبات المناخية وقرب نهاية الولاية الحكومية لفرض قانون مهنة المحاماة رغم أن المحامون في إضراب مفتوح عن العمل في واحد من أكبر التوترات القطاعية بين وزارة وهيئة مهنية.
من القضايا الجوهرية التي تثير حساسية في كل تشريع متعلق بالمحاماة مسألة من ينظم المهنة ومن يملك سلطة التأديب والتوجيه؟
المعايير الدولية تعتبر التنظيم الذاتي ضمانة مؤسساتية، فمبادئ هافانا تؤكد على:
وجوب أن تمارس المنظمات المهنية للمحامين دورا حاسما في صون معايير المهنة واستقلاليتها ومنه حماية المواطن من أن يصبح محاميه خاضعا لسلطة قد يكون في موقع مواجهتها داخل المحاكمة. أي نقل مركز ثقل الضبط المهني خارج المهنة نفسها يثير، وفق الفقه الحقوقي المقارن، سؤال تضارب المصالح بين سلطة التنظيم وسلطة التقاضي.
المعطى السياسي-المؤسساتي في هذا الملف لا يقل أهمية عن المضمون القانوني. لقد جرى مسار طويل من الاجتماعات بين الوزارة والهيئات المهنية، في إطار ما قدم كمنهجية تشاركية، لأن القانون ينظم فاعلا سيقوم لاحقا بحماية حقوق المواطنين أمام الدولة.
في الفقه الدستوري، يعد تغيير التوافقات المهنية في النصوص ذات الصلة بالحقوق والحريات دون مبرر واضح مساسا بمبدأ الأمن القانوني والثقة المشروعة. فالمهنيون، حين يدخلون في حوار مؤسساتي طويل، يفترضون أن نتائجه ستكون أساسا لصياغة مستقرة.
أي إحساس بأن الحوار كان شكليا يضر ليس فقط بالعلاقة بين الوزارة والمهنة، بل بصورة الدولة ككل كفاعل يحترم كلمته والتزاماته المؤسسية.
إضراب المحامين يختلف عن إضراب قطاعات إدارية تقليدية. أثره لا ينعكس فقط على المرفق، بل على الحقوق الفردية المباشرة، تأجيل القضايا، تعطل البت في ملفات المعتقلين، صعوبة ولوج المتقاضين إلى العدالة، إطالة أمد النزاعات، وهنا نصل إلى مفارقة مؤلمة: الإضراب يُتَّخذ دفاعا عن شروط العدالة، لكنه في المدى القصير يكشف هشاشة هذه الشروط. وهذا بحد ذاته مؤشر على أن العدالة بدون دفاع حر ومنظم بشكل مستقل تصبح عرضة للشلل.
إن الدفاع عن المحاماة هو في العمق دفاع عن الدولة، التجارب المقارنة في أوروبا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا أظهرت أن إضعاف استقلال المحامين يوازي تراجع مؤشرات سيادة القانون، وتضييق هوامش الدفاع يسبق عادة توسع سلطات الاتهام والضبط.
إن المحامي المستقل لا يشكل أي خطر على الدولة، بقدر ما هو ضمانة لها ضد أخطاء أجهزتها وضد فقدان الثقة المجتمعية في عدالتها.
والرهان ليس من يربح جولة سياسية، بل أي نموذج للعدالة نريد، عدالة يكون فيها الدفاع شريكا مستقلا،
أم عدالة يعاد فيها رسم حدود الدفاع من خارج المهنة؟