حين يتكلم «مركز التشريع»… وتخُتزل وزارة العدل في شخص
يبدو أن السيد وزير العدل لم يعد وزيرا لقطاع، ولا مسؤولا عن مؤسسة دستورية، بل صار – وفق لغته وخطابه – مركز التشريع نفسه؛ يتحدث وكأن القوانين تنبع من قناعته الشخصية، وتعُدّل بحسب تقييمه الذاتي للمهن، وكأن الدولة اختزلت في رأي، والمؤسسات في نبرة واثقة لا تقبل النقاش.
ففي معرض تبريره لتعديل قانون مهنة المحاماة، لم يخاطب الوزير الرأي العام من موقع الشراكة المؤسساتية، ولا من منطق الحوار مع هيئة مستقلة تاريخيا ودستوريا، بل من علٍ، من موقع “العارف” الذي يرى الخلل وحده، ويحدد الدواء وحده، ويقرر الوصاية وحده.
هكذا وبكل بساطة، تحولت وزارة العدل من إطار داعم لاستقلال العدالة، إلى سلطة تقييم وتأديب وتكوين، وكأن المحاماة فصل إداري تابع، لا مهنة حرة تضطلع بدور دستوري في حماية الحقوق والحريات.
وانطلاقاً من هذا التصور، كان لا بد أن تصُاغ المبررات التي يسوقها السيد وزير العدل في خرجاته الإعلامية لمشروعه من أجل تعديل قانون المحاماة، بمنطق الخلل الذي يستوجب التدخل، وبخطاب التشخيص الأحادي الذي يسبق الحل الجاهز.
أول هذه المبررات التي يسوقها السيد الوزير هو أن المحامين يعانون نقصا في التكوين، عبارة ثقيلة، عامة، ومريحة في آن واحد؛ ثقيلة لأنها تطعن في مهنة كاملة دون سند علمي منشور أو تقييم موضوعي مستقل، ومريحة لأنها تفتح الباب أمام الحل الجاهز: بما أن المحامين “ناقصو تكوين”، فلا بد أن تتكفل وزارة العدل بتأطيرهم. هكذا تخُلق المشكلة، وهكذا يسُوَّق الحل.
لكن السؤال الذي يتجنب السيد الوزير طرحه هو: هل يجوز وصم مهنة بأكملها بأن ممارسيها ناقصي التكوين؟ وإذا ما قررنا على مضض مجاراة هذا الطرح، فحينها يطفو السؤال الحقيقي، من المسؤول عن هذا “النقص” المفترض؟
أليست وزارة العدل نفسها جزءا من المنظومة التي تشرف على التعليم القانوني، وتنظم الولوج للمهن القضائية، وتدبر السياسات العمومية في مجال العدالة؟ أم أن الخلل يظهر فجأة فقط حين يسُتدعى تبرير التدخل والوصاية؟
وهل يمكن الحديث عن “نقص التكوين” بمعزل عن وزارة التعليم العالي، الجهة التي تصوغ البرامج، وتضع المناهج، وتشرف على كليات الحقوق التي يتخرج منها المحامون وغيرهم؟ أم أن المسؤولية تتبخر عند أبواب الجامعة، لتلُقى لاحقا كاملة على عاتق المهنة وحدها، وكأن مهنة المحاماة هي المسؤولة عن كل اختلالات التعليم؟
ثم لنفترض أننا سنسلك منطق الوزير، فكيف يعُقل تحميل مهنة المحاماة تبعات تكوين جامعي لم تكن شريكا في صياغته، ولا في تحديد مضامينه، ولا في طرق تقييمه؟ وهل الخلل في المتلقي أم في المقرر، في الخريج أم في منظومة تعليم قانوني تدُار خارج أي تنسيق حقيقي مع حاجيات العدالة والممارسة المهنية؟ أم أن الأسهل دائما هو القفز على فشل السياسات العمومية في التعليم، وتجاهل أعطاب التكوين الأكاديمي، ثم استدعاء “نقص التكوين” كلما استدعت الحاجة توسيع دائرة الوصاية، وتبرير تدخل لا يبدأ من الجذور، بل ينتهي عند النتائج؟
أما الحديث عن تأطير المحامين القدامى في إطار التكوين المستمر تحت إشراف وزارة العدل، فيحمل في طياته مفارقة لافتة، إذ كيف لمن يفُترض أنه فاعل داعم للاستقلال المهنة، أن يصبح مشرفا على “إعادة تشكيل” وعيها؟ وكيف يطُلب من المحامي أن يكون حرا في دفاعه، بينما تكوينه، وتقييمه، وتأطيره، وتقليص حضوره في المحاكم، تمر جميعها عبر بوابة السلطة التنفيذية؟
بل إن الأخطر من ذلك ليس الحديث عن التكوين في حد ذاته، بل الطريقة التي يخُتزل بها مفهوم التكوين، فبحسب خطاب السيد الوزير، يبدو أن جوهر التكوين الذي ينقص المحامين هو …اللغات الأجنبية، وكأن أزمة العدالة في البلاد أزمة لسان لا أزمة تشريع، وكأن اختلال موازين المحاكمة، وبطء المساطر، وتضييق الحقوق، تحُل بفرنسية أفضل أو إنجليزية أكثر طلاقة.
لا أحد يجادل في أهمية اللغات، لكن تحويلها إلى معيار مركزي لتقييم كفاءة المحامي ليس سوى تبسيط مخل، أو ربما تهرب أنيق من النقاش الحقيقي حول جودة التشريع، واستقلال القضاء، واحترام دور الدفاع، فالمحامي لا يقُاس فقط بعدد اللغات التي يتقنها، بل بمدى قدرته على حماية موكله، وعلى مجابهة تعسف السلطة، وعلى تفعيل القانون لا تزيينه لغويا.
أما المبرر الثاني الذي يسوقه السيد الوزير لتبرير مشروعه، فيكاد يكون أخطر من سابقه، لأنه لا يكتفي بالطعن في كفاءة المحامي أو التشكيك في تكوينه، بل يتجاوز ذلك إلى هدم الأساس القيمي والأخلاقي للمهنة، عبر تصوير المحامي كخصم لزبونه، وكعنصر تهديد ينبغي التحوّط منه، لا كحام لحقوقه وممثل لمصالحه. هكذا تقُدَّم العلاقة بين الدفاع والمتقاضي لا باعتبارها علاقة ثقة واختيار، بل كعلاقة اشتباه وارتياب، وكأن الأصل في المحامي هو التعارض لا التمثيل، والخديعة لا الأمانة.
وفق هذا المنطق المقلوب، لا يعود المحامي أحد أعمدة المحاكمة العادلة، ولا شريكا ضروريا في تحقيق التوازن داخل الخصومة القضائية، بل يتحول إلى مشكلة أخلاقية وسلوكية، وإلى خطر محتمل يستدعي تدخلا وقائيا من السلطة، حيث يسُتدعى دور وزارة العدل لا كفاعل داعم للاستقلال، بل كجهة رقابية فوقية، بل ويسُتدعى تدخل الوزير شخصيا، لا باعتباره مسؤولا سياسيا، بل كمنقذ أخلاقي، ومهندس للحلول، وحكم في نوايا المهنة وسلوكها.
وليس هذا التحول في النظرة إلى المحامي مجرد توصيف عابر، بل هو مدخل مباشر لإعادة تشكيل موقع السلطة داخل المهنة، ونقلها من إطار التنظيم إلى منطق الوصاية، ومن منطق الضمان إلى منطق الاشتباه الدائم، فحين يجُرَّد المحامي من صفته كشريك في العدالة، ويعُاد تقديمه بوصفه عنصرا مقلقا يحتاج إلى التقويم والمراقبة، يصبح التدخل الفوقي أمرا مبررا، بل مطلوبا، وتتحول الرقابة إلى سلطة أخلاقية شاملة .
وهنا يبلغ الخطاب ذروة الوصاية؛ الوزير قاضٍ في النوايا، يصُنفّ ويعُمّم، ومشرّع في الحلول، يعُيد ترتيب المهنة وفق تصوراته، ومُقيمّ في الأخلاق المهنية، يحُدّد من يستحقالثقة ومن يجب التحفظّ عليه.
هذا منطق لا يهُين المحامي فقط، بل يسُيء أيضا إلى المتقاضي نفسه، الذي يصُوَّر كقاصر عن الاختيار، عاجز عن التمييز، يحتاج إلى وصي يحميه حتى ممن اختارهم للدفاع عنه.
إن هذا الخطاب لا يعالج اختلالات محتملة، بل يؤسس لعداء بنيوي بين الدفاع والمتقاضي، ويقوّض الثقة التي تقوم عليها المهنة، ويستبدل آليات المحاسبة المهنية المستقلة بمنطق التشهير والتعميم، فبدل تعزيز أخلاقيات المهنة عبر مؤسساتها وهيئاتها، يجري تسويغ تدخل سلطوي يعُيد تعريف المحامي لا بوصفه ضمير العدالة، بل كخطر يجب ضبطه، لا كشريك يجب تمكينه.
هذه المقاربة لا تخدم العدالة، بقدر ما تكشف عن رغبة في تطويع الدفاع، عبر نزع شرعيته الرمزية والأخلاقية، تمهيدا لإضعاف موقعه داخل منظومة يفُترض أنها لا تقوم إلا بتوازن أدوارها، لا بتشويه أحد أعمدتها.
ويسُتكمل هذا المسار التبريري للسيد وزير العدل بمبرر ثالث لا يقل إرباكا، يتمثل في الدعوة إلى تقليص إلزامية المحامي في القضايا، بذريعة أن “المواطن حر في الدفاع عن نفسه”، وأن “الأصل في الإنسان أن يترافع عن نفسه”؛ عبارة تبدو للوهلة الأولى ،احتفاء بالحرية الفردية، لكنها في العمق إفراغ متعمد لمفهوم الحق في الدفاع من مضمونه الحقيقي.
فهل يقُاس الحق في الدفاع بالقدرة النظرية على الكلام أمام القاضي؟ أم بالقدرة الفعلية على فهم القانون، واستيعاب المساطر، ومواجهة سلطة الاتهام، وتفكيك الحجج، واستحضار الاجتهادات؟
إن افتراض أن “الأصل في الإنسان أن يترافع عن نفسه” قد يصلح في حالة بدائية خارج الدولة الحديثة، لكنه يصبح سخرية قاسية حين يطُرح داخل منظومة قانونية معقدة، مليئة بالنصوص، والآجال، والاستثناءات، والمساطر الصارمة، بل إن الأدهى في هذا الخطاب أنه يحُوّل إلزامية المحامي من ضمانة للمتقاضي إلى عبء عليه، ومن حماية للضعيف إلى قيد على “حريته”، وكأن المواطن يدُفع دفعا إلى مواجهة جهاز قضائي كامل بأدواته المحدودة، ثم يقُال له “لقد اخترتَ ذلك بحرّيتك”؟!
إن تقليص إلزامية المحامي لا يوُسع هامش الحرية، بل يوسع هامش الهشاشة، ولا ينتصر لحق الدفاع، بل يفُرغه من مضمونه الاجتماعي والحقوقي، ويعُيد إنتاج عدالة بوجهين؛ عدالة لمن يملك المعرفة والوسائل، وعدالة شكلية لمن يتُرك وحيدا باسم مبدأ مجرد.
وفي هذا السياق، يتضح أن ما يسُوَّق باعتباره إصلاحا لا يستهدف في عمقه تقوية المهنة أو تعزيز دورها داخل منظومة العدالة، بل يسعى إلى إعادة رسم حدودها وتطويعها ، وفق منطق الضبط والتحكم، لا وفق مقتضيات المحاكمة العادلة ومتطلبات الإنصاف، حيث يكشف هذا التوجه عن تصور للإصلاح يقوم على توسيع مجال الوصاية باسم الجودة، وتقنين التدخل باسم الحماية، وإعادة توزيع الأدوار داخل العدالة على نحو يفُرغ الدفاع من وظيفته النقدية والحمائية، ويحوّل حضور المحامي إلى حضور شكلي محدود الأثر، منضبط الإيقاع، لا يمس مواقع النفوذ ولا يخرج عن الخطاب المرسوم، فبدل أن يكون الإصلاح أداة لترسيخ استقلال المهنة، يتحول إلى وسيلة ناعمة لإخضاعها، وإلى إعادة إنتاج عدالة بلا دفاع قوي ،وبلا صوت مهني قادر على مساءلة السلطة باسم القانون.
كما أن الخطاب الذي يقُدَّم باسم توسيع حرية المواطن يخفي، في الواقع، نزوعا واضحا نحو تقليص ضماناته الأساسية، من خلال تحميل الفرد عبء مواجهة منظومة قانونية معقدة دون سند مهني مؤسسي، ذلك أن حرية الدفاع عن النفس، حين تفُصل عن شرط تكافؤ الوسائل وعن واقع المساطر الإجرائية، تتحول من حق إلى مخاطرة غير متكافئة ، ومن خيار قانوني إلى عبء اجتماعي وقانوني يضُعف موقع المتقاضي بدل أن يعززه.
وبذلك لا يفضي هذا الخطاب إلى تحرير المواطن، بل إلى عزله داخل فضاء قانوني غير متوازن، حيث تسُتبدل ضمانة مؤسساتية راسخة، تتمثل في حضور الدفاع، بحرية شكلية لا تصمد أمام الواقع العملي، فتلُقى على عاتق الفرد مسؤولية مواجهة منظومة إجرائية معقدة دون سند مهني فعلي، ويدُفع إلى خوض معركة غير متكافئة مع سلطة القانون وأدواته. وفي هذا السياق، تتحول الحرية من أداة للتمكين إلى عبء ثقيل، ومن حق يفُترض أن يعزز موقع المتقاضي إلى عامل يعُمّق هشاشته، ويضُعف قدرته على حماية مصالحه والدفاع عن حقوقه، الامر الذي يعيد إنتاج العدالة بمنطق مختل يقوم على تفاوت الإمكانات واختلال المواقع لا على أسس الإنصاف والتكافؤ، مما يفُرغ مبدأ المحاكمة العادلة من مضمونه العملي، ويجعل الحق في الدفاع امتيازا فعليا لمن يملك الوسائل، لا ضمانة عامة متاحة للجميع.
ومن ثم، يتضح أن الإشكال لا يكمن في مهنة المحاماة ذاتها، بل في النظرة التي تخُتزل بها وتعُاد صياغتها بوصفها مجالا قابلا للإخضاع وإعادة الضبط، لا باعتبارها ركنا دستوريا من أركان العدالة .
وعليه فإن المحاماة لا تحتاج إلى وصاية جديدة، بقدر ما تحتاج إلى احترام دستوري فعلي يترجم المكانة التي يخولها لها الدستور داخل منظومة العدالة، وإلى حماية قانونية منسجمة مع كون الحق في الدفاع حقا أصيلا غير قابل للتدرج أو الانتقاء، كما تحتاج إلى انسجام حقيقي مع المواثيق الدولية التي تجعل من استقلال الدفاع شرطا جوهريا للمحاكمة العادلة، لا امتيازا خاضعا للتأويل أو للتقليص وفق اعتبارات ظرفية أو منطق وصائي، وفي غياب ذلك، يظل أي إصلاح محكوما بإعادة إنتاج الاختلال بدل معالجته، وبترسيخ الهشاشة بدل بناء عدالة متوازنة ومستقلة.