كتاب الرأي

ثنائية الكراهية و السلام : دعوة للتعايش و التسامح

في عالمنا الذي يشهد انقسامات فكرية وأيديولوجية عميقة، تبرز الحاجة الملحة للحديث عن ثنائية الكراهية والسلام الكراهية ليست مجرد مشاعر سلبية أو حالات نفسية قابلة للزوال، بل هي قوة مدمرة تهدد استقرار المجتمعات وتزعزع أسس التعايش السلمي. هي نتاج الجهل والخوف من المجهول، وتغذى من التهميش الاجتماعي والاقتصادي الذي يعاني منه أفراد وجماعات في مختلف أنحاء العالم. كما أن الكراهية تصبح أداة هدم عندما تتغذى من خطابات العنف والتطرف التي تستخدمها لتفكيك المجتمعات وزرع الفتنة بينها. وبالتالي، فإن الكراهية تشكل تهديدًا وجوديًا للمجتمعات والإنسانية جمعاء
ومن هنا، تأتي الحاجة الماسة لمناهضة الكراهية، لأنها لا تقتصر على التهديد بالأذى الجسدي فقط، بل تمتد لتدمير النسيج الاجتماعي والإنساني. لا يمكن أن نتقدم نحو عالم أفضل إلا إذا أعلنا المواجهة والتصدي على هذه القوة المدمرة التي تهدد سلامة الأفراد والجماعات. أما بديلها فيجب أن يكون السلام، والسلام الذي لا يعني مجرد غياب العنف والكراهية والحروب، بل هو حالة من التعايش بين البشر، قائم على الاحترام المتبادل والتفاهم، حيث يصبح الاختلاف مصدرًا للقوة والثراء بدلًا من أن يكون سببًا للصراع.
إن مناهضة الكراهية لا تقتصر على إزالة مشاعر سلبية من القلوب فقط، بل هي دعوة شاملة لاحتضان القيم الإنسانية العالمية التي تمثل أساسًا للتعايش السلمي بين البشر. من هذه القيم نجد التسامح، العدالة، المساواة، والحرية، وهي ليست مجرد مبادئ فلسفية أو دينية، بل هي أساس لحقوق الإنسان التي يجب أن يتمتع بها كل فرد. و تعزيز هذه القيم في مجتمعاتنا سيساعد في بناء عالم تتسم فيه العلاقات الإنسانية بالاحترام المتبادل، ويسود فيه التفاهم بين الشعوب رغم اختلافاتها الثقافية والدينية. هذه القيم تشكل الأسس التي يجب أن تُبنى عليها المجتمعات القوية والمتماسكة التي تسعى للسلام في عالم مليء بالتحديات .
ومن أجل القضاء على الكراهية وتحقيق التسامح، لا بد من العمل الجماعي. فالتحديات التي نواجهها اليوم تتطلب تضافر الجهود ، سواء كانوا أفرادًا أو مؤسسات أو دولًا. نحن بحاجة إلى أن نكون جزءًا من حركة جماعية شاملة تضمن المساهمة في التربية والتكوين على احترام الآخر والتفاعل بشكل إيجابي مع مختلف الثقافات، لأن هذا هو السبيل الوحيد لبناء مجتمعات يسود فيها التفاهم والتعاون. لا يكفي أن نرفع الشعارات ونعلن المبادئ، بل يجب أن نترجم هذه القيم إلى أفعال من خلال العمل المستمر.
وتلعب المؤسسات التعليمية والثقافية و المجتمع المدني دورًا بالغ الأهمية في نشر هذه الثقافة. يجب أن يتعلم الأفراد منذ سن مبكرة أن السلام لا يعني غياب الكراهية والحروب فقط، بل هو نمط حياتي يقوم على احترام الإنسان وكرامته وحريته. التربية والتكوين في المدارس والجامعات هو السبيل الأكثر فاعلية لزرع هذه القيم الإنسانية في نفوس الأجيال القادمة، وذلك من خلال إشراكهم في برامج تعلمهم كيفية التعامل مع اختلافاتهم والعيش بسلام. هذه المؤسسات مسؤولة عن تأهيل الشباب ليصبحوا سفراء للسلام والتسامح في مجتمعاتهم .
إن المخيمات الصيفية والمنتديات الشبابية والانشطة الموازية تعتبر من أبرز الأدوات التي نستخدمها في “المرصد المغربي لنبذ الإرهاب والتطرف” لتعزيز ثقافة التسامح والتعايش والايمان بالاختلاف بين الشباب. هذه الأنشطة لا تقتصر على توفير بيئة ترفيهية، بل تهدف إلى تأهيل الشباب على كيفية التعامل مع الاختلافات الثقافية والدينية، وكيفية تعزيز التفاهم والاحترام بين مختلف الشعوب. المخيمات والمنتديات تقدم منصة هامة لجعل الشباب قيم التنوع الثقافي وتدريبهم على أن يكونوا سفراء للسلام في مجتمعاتهم .
علاوة على ذلك، يسعى المغرب من خلال الدبلوماسية الموازية إلى بناء جسور من التعاون مع الدول والمنظمات الدولية التي تشاركنا نفس الأهداف. من خلال هذه الأنشطة، نعرض نموذجًا يُحتذى به في كيفية محاربة الكراهية وتعزيز قيم التسامح والسلام على الصعيد الدولي. هذه الجهود تعزز من دور المغرب كداعم رئيسي للسلام والتسامح، وتسهم في تعزيز التعاون بين الشعوب .
في الختام، يجب أن نعي جميعًا أن مناهضة الكراهية تتطلب التزامًا فرديًا من كل واحد منا. إذ لا يمكن نشر ثقافة التسامح إلا إذا بدأ كل فرد بنفسه ويعكس قيم الاحترام المتبادل والسلام. التغيير يبدأ من الأفراد، وعندما يلتزم كل شخص بهذه القيم، يمكننا أن نخلق مجتمعًا متماسكًا وقويًا قادرًا على مواجهة أي تحديات. لا شك أن الطريق نحو السلام طويل، لكنه ليس مستحيلًا. فلنعمل معًا وننشر بذور التفاهم بين الأجيال القادمة من أجل عالم خالٍ من الكراهية يسوده التعاون والاحترام المتبادل .