الشباب في قلب القرار السياسي: أي دور في بناء الثقة الديمقراطية؟
في أفق الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، ومع ما يرافقها من نقاش عمومي حول مستقبل الديمقراطية بالمغرب، ومن موقعنا داخل الشبيبة الاتحادية، نعتبر أن إثارة موضوع حقوق الشباب في أجندة الانتخابات ليس ترفا فكريا او مجرد عنوان مرحلي، بل نعتبر ذلك تعبير عن وعي جماعي بأن أي مشروع ديمقراطي حقيقي لا يمكن أن يستقيم دون إشراك فعلي للشباب في صنع القرار، وفي توجيه الاختيارات الكبرى للبلاد.
من المؤكد أن التجربة السياسية أظهرت خلال السنوات الأخيرة فجوة واضحة بين المقتضيات الدستورية التي تؤكد على توسيع مشاركة الشباب في الحياة السياسية والمدنية، وبين واقع الممارسة التي لا تزال تفرز حضور شبابي محتشم داخل المؤسسات المنتخبة، ومحدودية في تأثير الشباب على القرار العمومي، حيث لا يمكن بأي حال من الأحوال اختزال هذه الوضعية في خطاب العزوف أو اللامبالاة، بقدر ما يمكن اعتبارها تعبيرا صريحا عن أزمة ثقة عميقة بين الشباب والمؤسسات ،نتيجة ضعف قنوات الاستماع، وضيق هامش المبادرة، وغياب آليات حقيقية لإدماج الطاقات الشابة.
ومن منظور الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فإن الحق في المشاركة السياسية هو حق أصيل من حقوق الإنسان، لا ينفصل عن باقي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حيث نعتبر أن الشباب الذي يعاني من البطالة، والهشاشة، وضعف الولوج إلى التعليم الجيد والسكن اللائق، لا يمكن مطالبته بالانخراط السياسي دون توفير شروط الكرامة والعدالة الاجتماعية، فنحن نؤمن بأن معركة المشاركة السياسية للشباب هي في جوهرها معركة من أجل سياسات عمومية منصفة، تعيد الاعتبار للدور الاجتماعي للدولة، وتضع الشباب في قلب النموذج التنموي.
إننا نؤمن بأن استعادة الدور الاجتماعي للدولة يشكل المدخل الجوهري لأي حديث جدي عن إدماج الشباب في النموذج التنموي، لأن المشاركة السياسية لا يمكن أن تزدهر في ظل الهشاشة الاجتماعية وانسداد الآفاق الاقتصادية، فالشباب الذي يعاني من البطالة، وضعف الولوج إلى الشغل الكريم، وتراجع جودة التعليم، وغياب الحماية الاجتماعية، يجد نفسه في موقع التهميش بدل الفعل والمبادرة، ومن هذا المنطلق، فإن وضع الشباب في قلب النموذج التنموي يقتضي إعادة توجيه السياسات العمومية نحو الاستثمار في الرأسمال البشري، وضمان العدالة الاجتماعية والمجالية، وربط النمو الاقتصادي بتوزيع منصف للثروة، بما يعزز الشعور بالانتماء والثقة في المؤسسات، ويحول الشباب من فئة تنتظر الحلول إلى فاعل يساهم في صياغتها.
وفي السياق ذاته، نعتبر أن الآليات الحالية للمشاركة المواطنة، رغم أهميتها من حيث المبدأ، لا تزال محدودة الأثر بسبب غياب الشروط الكفيلة بتحويلها إلى أدوات فعلية للتأثير في القرار العمومي، إذ غالبا ما يتم التعامل معها بمنطق استشاري شكلي، لا يسمح للشباب بتتبع السياسات العمومية أو مساءلة القائمين عليها، وهو ما يفسر لجوء فئات واسعة من الشباب إلى أشكال بديلة للتعبير والمشاركة، عبر المبادرات المدنية المستقلة، أو الفضاء الرقمي، أو أشكال الاحتجاج السلمي، حيث لا يتوجب قراءتها كخروج عن المسار الديمقراطي، بل كرسائل سياسية واضحة تعكس أزمة الوساطة وضعف الثقة في الفاعلين التقليديين، وهو ما يجعلنا نؤكد داخل الحزب أن مسؤولية الأحزاب السياسية ثابتة في تجديد خطابها وممارساتها، وفي إدماج مطالب الشباب بشكل جدي داخل برامجها الانتخابية، عبر تحويل حقوق الشباب إلى التزامات سياسية واضحة وقابلة للتنفيذ والتقييم، سواء في مجال التشغيل أو الحماية الاجتماعية أو المشاركة في تدبير الشأن العام، انسجاما مع مرجعيتنا التاريخية القائمة على الدفاع عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والإنصاف الجيلي، وبما يفتح أفقا حقيقيا أمام مشاركة شبابية فاعلة ومؤثرة.
نحن داخل الشبيبة الاتحادية نؤمن بأن أدوار التنظيمات الشبابية لا يمكن أن تظل حبيسة منطق التعبئة الموسمية المرتبطة بالاستحقاقات أو محصورة في وظيفة الواجهة التنظيمية داخل الأحزاب، بل ينبغي أن تتطور لتصبح قوة اقتراح حقيقية وفاعلا ترافعيا دائما في صياغة الاختيارات السياسية والبرامجية، فالشبيبة الاتحادية، وهي تستحضر امتدادها التاريخي في مسار النضال الديمقراطي والتقدمي، تعتبر نفسها في الآن ذاته مختبرا للأفكار الجديدة وفضاء لإعادة ربط السياسة بأسئلة المجتمع، خاصة تلك المرتبطة بالشباب، التشغيل، التعليم، العدالة المجالية، الحريات، والكرامة الاجتماعية، ومن هذا المنطلق، نرى أن دورنا هو بمثابة الجسر الحيوي بين نبض الشارع الشبابي والمؤسسات الحزبية، بما يسمح بتجديد الخطاب السياسي، وتجاوز القطيعة المتنامية بين الأجيال الصاعدة والعمل السياسي المنظم.
و من هذا المنطلق نعتبر أن أفق الانتخابات التشريعية لسنة 2026 يشكل لحظة مفصلية لاختبار صدق الفاعلين السياسيين في جعل الشباب شريكا فعليا في البناء الديمقراطي، لا مجرد رقم انتخابي أو عنصر تكميلي في اللوائح، فالرهان الحقيقي لا يكمن فقط في الرفع الشكلي من نسب التمثيلية الشبابية داخل المؤسسات المنتخبة، بل في ضمان حضور نوعي لشباب يمتلك الكفاءة والقدرة على التأثير وصناعة القرار، ونقل انشغالات جيله إلى قلب النقاش التشريعي وصياغة السياسات العمومية، فتمكين الشباب من أدوار قيادية ومواقع تأثير من شأنه أن يعيد الاعتبار للعمل السياسي، ويعزز الثقة في المؤسسات، ويساهم في تحصين المسار الديمقراطي من منطق العزوف واللامبالاة، ويجعل من المشاركة السياسية رافعة حقيقية للتغيير والتنمية.
وأعتقد جازما أننا داخل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والشبيبة الاتحادية، نعتبر أن فعلية حقوق الشباب لا يمكن أن تتحقق دون إرادة سياسية حقيقية، ودون ربط المشاركة السياسية بالإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، وببناء دولة اجتماعية عادلة ومنصفة، فنحن نراهن على الشباب ليس كموضوع للسياسات العمومية، بل كفاعل مركزي في صياغتها، وعلى أفق 2026 كفرصة لإعادة الاعتبار للسياسة، وللعمل الحزبي، وللأمل في مغرب ديمقراطي يتسع لجميع أبنائه.