كتاب الاتحاد

التنمية في المغرب: أي إصلاح سياسي لأي نمو عادل؟

إذا كانت التنمية هدفًا وطنيًا جامعًا، فلماذا لم تنجح البرامج الحكومية المتعاقبة في تحويل النمو إلى عدالة اجتماعية؟ ولماذا استمرت البطالة والفوارق المجالية رغم تضخم الأرقام الماكرو-اقتصادية وحجم الموارد المرصودة؟ هل الخلل في نقص الإمكانيات أم في طبيعة الاختيارات السياسية؟ يطرح هذا المقال أسئلة جوهرية تشكّل خلفية النقاش الذي يقترحه الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وهو مقبل على صياغة برنامجه الانتخابي الوطني، انطلاقًا من مرجعيته السياسية ومقررات مؤتمراته وبلاغات أجهزته الوطنية.
هل أزمة التنمية في المغرب أزمة نمو أم أزمة سياسة؟
هل يعاني المغرب من ضعف في النمو أم من ضعف في جودة هذا النمو؟ ولماذا لم تُترجم نسب النمو، رغم تذبذبها، إلى تحسين ملموس في شروط عيش المواطنات والمواطنين؟ كيف يمكن تفسير استمرار البطالة فوق 13 في المائة، وبلوغها مستويات مقلقة في صفوف الشباب الحضري، في مقابل توالي البرامج الحكومية وتعبئة موارد مالية مهمة؟
إن هذا التناقض بين الخطاب التنموي والواقع الاجتماعي يكشف أن الإشكال لا يكمن في غياب النمو بقدر ما يكمن في انفصاله عن الإصلاح السياسي والمؤسساتي القادر على تحويل الأرقام إلى مكاسب اجتماعية ملموسة. وهو ما يدفع إلى طرح سؤال أعمق: هل نحن أمام أزمة موارد أم أزمة قرار سياسي؟
وتزداد وجاهة هذا السؤال حين نقارن التجربة المغربية بتجارب دولية قريبة، مثل البرتغال أو إسبانيا في فترات ما بعد الأزمات، حيث لم يكن تجاوز الاختلالات رهينًا فقط بحجم الموارد، بل بقرارات سياسية واضحة راهنت على الديمقراطية الاجتماعية، وربطت السياسات الاقتصادية بالحماية الاجتماعية والشغل. وهو ما يطرح بوضوح: هل يعاني المغرب من نقص في الإمكانيات أم من تردد في الاختيار السياسي؟
أولًا: أي إصلاح سياسي لاستعادة الثقة وجعل التنمية ممكنة؟
كيف يمكن تحقيق تنمية مستدامة في ظل تراجع الثقة في الأحزاب والمؤسسات المنتخبة؟ وهل يمكن لسياسات عمومية أن تكون فعالة دون وساطة سياسية قوية، وبرلمان فاعل، وربط حقيقي بين المسؤولية والمحاسبة؟
رغم الصلاحيات الدستورية الممنوحة للمؤسسة التشريعية في التشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية، لا يزال الأثر العملي لهذه الوظائف محدودًا، في وقت تُصرف فيه ميزانيات عمومية ضخمة دون آليات صارمة للنجاعة والمحاسبة. هنا لا يتعلق المشكل بغياب النصوص، بل بتعطيل روحها، وبضعف الإرادة السياسية في تفعيل مقتضيات الحكامة كما نص عليها الدستور.
في هذا السياق، يطرح الاتحاد الاشتراكي، انسجامًا مع مقررات مؤتمراته وبلاغات مجالسه الوطنية، ضرورة تقوية استقلال القضاء باعتباره ضمانة للحقوق وجاذبية الاستثمار، وتجديد أدوار الأحزاب السياسية لتعود فضاءات للتأطير والاقتراح لا مجرد أدوات انتخابية موسمية. كما يظل تمكين الشباب والنساء من المشاركة الفعلية في القرار السياسي، لا في التمثيلية الشكلية، مدخلًا أساسيًا لإعادة بناء الثقة وجعل الإصلاح التنموي ممكنًا. وهي أسئلة لا تُطرح من باب التنظير، بل من صلب النقاشات التي واكبت قرارات الحزب في تعاطيه مع التحولات السياسية الراهنة.
ثانيًا: أي نموذج اقتصادي قادر على السيادة والإنتاج وخلق الشغل؟
لماذا ظل الاقتصاد المغربي هشًا أمام الصدمات المناخية والطاقية؟ وهل يعقل أن يبقى النمو رهينًا بالفلاحة المطرية التي لا تتجاوز مساهمتها 14 في المائة من الناتج الداخلي الخام؟ وكيف يمكن تبرير استمرار ضغط فاتورة طاقية قاربت 100 مليار درهم في بعض السنوات دون تصور سيادي واضح لأمن الطاقة؟
ورغم التقدم المسجل في الطاقات المتجددة، لماذا لم تتحول هذه الاستثمارات إلى فرص شغل صناعية حقيقية؟ ولماذا بقي التشغيل الحلقة الأضعف في السياسات الاقتصادية؟
هذه الأسئلة تحضر بقوة في مواقف الاتحاد الاشتراكي، الذي ما فتئ يدعو، في بياناته وبلاغات مكتبه السياسي، إلى اقتصاد منتج ومشغِّل، قائم على توطين سلاسل القيمة الصناعية، وتوجيه الاستثمار العمومي والخاص نحو القطاعات ذات القيمة المضافة، ورفض منطق النمو الذي يراكم الأرباح دون توزيع عادل أو أثر اجتماعي.
ثالثًا: أي دولة اجتماعية بين التعميم والعدالة والنجاعة؟
هل يكفي تعميم التغطية الصحية لبناء عدالة صحية حقيقية؟ ولماذا لا يزال عدد الأطباء لا يتجاوز سبعة لكل عشرة آلاف نسمة؟ ولماذا يتحمل المواطن أكثر من نصف كلفة العلاج من جيبه الخاص رغم الشعارات المرفوعة حول الدولة الاجتماعية؟
وفي التعليم، كيف يمكن تبرير ميزانيات تفوق 70 مليار درهم سنويًا دون استعادة المدرسة العمومية لدورها كرافعة للترقي الاجتماعي؟ ولماذا استمر الهدر المدرسي وضعف الارتباط بين التكوين وحاجيات الاقتصاد؟
يربط الاتحاد الاشتراكي، في وثائقه السياسية، بين الدولة الاجتماعية وجودة الخدمات والحكامة والإنصاف، معتبرًا أن الحماية الاجتماعية ليست إحسانًا ظرفيًا، بل حقًا ومكونًا أساسيًا للاستقرار، وأنها يجب أن تكون مدخلًا للإدماج الاقتصادي لا لتكريس الهشاشة.
رابعًا: هل تحققت العدالة المجالية أم ما زالت مؤجلة؟
لماذا لا تزال بعض الجهات تساهم بأكثر من 30 في المائة من الناتج الداخلي الخام، في حين لا تتجاوز مساهمة جهات أخرى 5 في المائة؟ وهل تحولت الجهوية المتقدمة إلى أداة فعلية للإنصاف أم بقيت حبيسة الشعارات؟
كيف يمكن ضمان الولوج المتكافئ للصحة والتعليم والبنيات التحتية، خاصة في المناطق القروية والجبلية؟
يؤكد الاتحاد الاشتراكي، في مواقفه، أن العدالة المجالية شرط أساسي لأي مشروع تنموي ناجح، وهو ما يفرض نقلًا حقيقيًا للاختصاصات والموارد، وسياسات عمومية تستحضر خصوصيات المجالات والفئات الهشة، وتقطع مع منطق التمركز والتفاوتات الترابية.
خاتمة: أي اختيار سياسي لمغرب الغد؟
إن الرهان اليوم لم يعد في تشخيص الأعطاب، بل في الجرأة على الاختيار. فإما استمرار منطق التدبير التقني المحدود، أو الانتقال إلى مشروع ديمقراطي تنموي واضح المعالم. وفي هذا السياق، لا يتقدم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إلى النقاش العمومي ببرنامج جاهز فقط، بل بسؤال جوهري: أي مغرب نريد؟ مغرب الأرقام أم مغرب الكرامة؟ مغرب النمو المعزول أم مغرب العدالة الاجتماعية؟
من هنا، لا يأتي اليوم الدراسي المزمع تنظيمه بالمقر المركزي للحزب كمحطة تنظيمية عادية، بل كلحظة سياسية لتجميع هذا التراكم، وصياغة برنامج انتخابي وطني يربط بين الديمقراطية والتنمية، وبين القرار السياسي والإنصاف الاجتماعي، في أفق استحقاقات تتطلب وضوحًا في الرؤية وجرأة في الاختيار، لا ترددًا ولا شعارات ظرفية.